وقد انفرد الشيخ ـ رحمه الله بهذا القول، فلم أر أحداً من المفسّرين اختاره، أو صرّح به، إلا الطبريّ ـ رحمه الله ـ فإنّ ظاهر كلامه يدلّ على أنّه فسّر العَود بالرجوع(١)، لكنّه لم يصرّح بما صرّح به الشيخ ـ رحمه الله ـ.
أمّا القول الثاني، فقد ذكره ابن عطيّة في تفسيره(٢)، واختاره البقاعيّ، ولم يذكر غيره(٣).
وحجّة من قال به: أنّ العود لا يكون إلا إلى حالة قد كانت، ولكن لمّا كان الأنبياء محفوظين من الكفر قبل النبوّة، تعيّن حمل الآية على المعنى المذكور.
وقد أجاب الشيخ عن ذلك بأنّ العَود بهذا المعنى إنّما يكون للرسل خاصّة، فهم مأمورون بدعوة قومهم وعدم السكوت عنهم. ولفظ العَود في الآية عامّ للرسول وقومه(٤).
واختار عامّة المفسّرين القول الأوّل، لكنّهم اختلفوا في توجيه معنى العَود، فذهب بعضهم إلى أنّه بمعنى الصيرورة، أي: لتصيرنّ في ملّتنا.
وممّن ذهب إلى ذلك: ابن عطيّة(٥)، والقرطبيّ(٦).
وحجّتهم: أنّ ( عاد ) في لغة العرب تجيء بمعنى: ( صار )، ومن ذلك قول الشاعر:
تلك المكارم لا قَعْبَانِ من لبن شيبا بماء فعادا بعدُ أبوالا(٧)
أي: صارا.
وقول الآخر:
(٢) ينظر: المحرّر الوجيز: ٦/ ٣. واختاره في تفسير آية سورة إبراهيم: ٨/ ٢١٥، ٢١٦.
(٣) ينظر: نظم الدرر: ٣/ ٦٨. واختاره من المتأخّرين: ابن عاشور: ٨/ ١٩٦.
(٤) ينظر: تفسير آيات أشكلت: ١/ ١٦٨.
(٥) ينظر: المحرّر الوجيز: ٦/ ١ ـ ٣.
(٦) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ٢٥٠. واختاره من المتأّخرين: الثعالبيّ: ٢/ ٣٧، وابن الملقّن: ص١٤١. واستحسنه الألو سي: ٩/ ٣.
(٧) هذا البيت لأميّة بن أبي الصلت. ينظر ديوانه ( بيروت: المكتبة الأهليّة ): ص٥٢. والقعب: القدح الضخم. وشيبا: أي خلطا.