؟ الثاني: أنّه الأوفق لسياق الآية، لما يتضمّنه لفظ الإيمان من التصديق والإذعان والقبول. وقد كان موسى ـ عليه السلام ـ لعلوّ همّته، يطمع في رؤية ربّه، لينال شرف الرؤية، كما نال من قبل شرف التكليم، فلمّا رأى ما رأى، امتلأ قلبه يقيناً وتصديقاً باستحالة رؤيته سبحانه في هذه الدار، فقال معترفاً ومقرّاً: ( سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين ).
؟ الثالث: أنّه موافق لما جاء في التوراة كما ذكر الشيخ، وليس هذا ممّا يطرأ عليه التحريف. وكتب الله يصدّق بعضها بعضاً، كما قال تعالى: ﴿ وأنزلنا إليك الكتب بالحقّ مصدّقاً لما بين يديه من الكتب.. ﴾[المائدة: ٤٨].
أمّا من قال إنّ المراد: أوّل المؤمنين من بني إسرائيل.. فقد أجاب عن ذلك ابن جرير، فقال: " وإنّما اخترنا القول الذي اخترناه في قوله: ( وأنا أوّل المؤمنين ) على قول من قال: معناه أنا أوّل المؤمنين من بني إسرائيل، لأنّه قد كان قبله في بني إسرائيل مؤمنون وأنبياء، منهم ولدُ إسرائيل لصُلْبه، وكانوا مؤمنين وأنبياء، فلذلك اخترنا القول الذي قلناه قبل "(١).
ويضاف إلى ما ذكره وجه آخر، وهو أنّ لفظ المؤمنين جاء مطلقاً، والأصل أن يبقى على إطلاقه دون تقييد، إلا بدليل صحيح يدلّ على ذلك، وقد استدلّ القائلون بهذا القول، بما روي عن ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ أنّه قال: " أوّل من آمن بك من بني إسرائيل "(٢). لكنّ إسناده ضعيف، واستدلّوا بآثار أخرى لا تخلو من ضعف.

(١) جامع البيان: ٦/ ٥٧.
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنّة ( بيروت: المكتب الإسلاميّ بتخريج الألبانيّ المسمّى ظلال الجنّة ): ١/ ٢١٢، برقم: ٤٨٤، والطبريّ في تفسيره: ٦/ ٥٦. وضعّف إسناده الألبانيّ في تخريجه المذكور.


الصفحة التالية
Icon