وحجّة الشيخ: ما ذكره من دلالة الكتاب والسنّة، أمّا الكتاب؛ فإنّ من المعلوم أنّهم لم يستحلّوا ما استحلّوه تكذيباً لموسى ـ عليه السلام ـ، وكفراً بالتوراة، وإنّما هو استحلال تأويل واحتيال، ظاهره ظاهر الاتّقاء، وحقيقته حقيقة الاعتداء، ولهذا مسخوا قردة، لأنّ صورة القرد فيها شبه من صورة الإنسان.. فلمّا مسخ أولئك المعتدون دين الله بحيث لم يتمسّكوا إلا بما يشبه الدين في بعض ظاهره دون حقيقته؛ مسخهم الله قردة، يشبهونهم في بعض ظاهرهم دون الحقيقة، جزاءً وفاقاً. يقوّي ذلك: أنّ بني إسرائيل أكلوا الربا، وأكلوا أموال الناس بالباطل، كما قصّه الله في كتابه، وذلك أعظم من أكل الصيد المحرم في وقت بعينه، ومع ذلك لم يعاقبوا بالمسخ، كما عوقب مستحلو الحرام بالحيلة، ممّا يدلّ على أنّ المستحلّين أعظم جرماً، لذا كانت عقوبتهم أغلظ من عقوبة غيرهم، لأنّ المستحلّ لما حرّم الله بنوع احتيال وتأويل، مصرّ على الحرام، وقد اقترن به اعتقاده الفاسد في حلّ الحرام، وذلك قد يفضي به إلى شرّ طويل(١).
وأمّا دلالة السنّة، فقد جاء في الحديث: " لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلّوا محارم الله بأدنى الحيل "(٢).
الدراسة، والترجيح:

(١) الفتاوى الكبرى: ٣/ ١١٨، ١١٩.
(٢) أخرجه أبو عبد الله بن بطّة في إبطال الحيل ( بيروت: المكتب الإسلاميّ ): ص٤٧. وحسّن إسناده الشيخ، كما في مجموع الفتاوى: ٢٩/ ٢٩، وذكره ابن كثير في تفسيره: ٢/ ٢٥٧، وقال: " هذا إسناد جيّد "، وصحّحه شيخنا العلاّمة عبد العزيز ابن باز ـ رحمه الله ـ كما في مجلّة البحوث الإسلاميّة، العدد ١٨، ص١٣١.


الصفحة التالية
Icon