؟ الثاني: أنّ مقتضى قول من قال إنّ الأخذ والإشهاد كان بلسان الحال: أنّ ما أقامه الله من البراهين الكونيّة، كخلق السموات والأرض الدالّة على ربوبيّتة سبحانه، وما ركزه فيهم من الفطرة التي فطروا عليها؛ كافٍ في إقامة الحجّة عليهم، ولو لم يأتهم نذير. وهذا خلاف ما جاء في كثير من الآيات بأنّ الله تعالى لا يعذّب أحداً حتّى يقيم عليه الحجّة بإرسال الرسل، ومن ذلك قوله: ﴿ رسلاً مبشّرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل.. ﴾[النساء: ١٦٥]، وقوله: ﴿ وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً ﴾[الإسراء: ١٥]، فالذي تقوم به الحجّة على الناس، وينقطع به عذرهم: إرسال الرسل، لا نصب الأدلّة، والخلق على الفطرة(١).
وأمّا السنّة؛ فقد وردت أحاديث كثيرة تدلّ على أنّ الله أخرج ذرّيّة آدم في صورة الذرّ، فكلّمهم، وأخذ عليهم الميثاق، وأشهدهم على أنفسهم. وقد ذكر ابن عبد البرّ ـ رحمه الله ـ بعد أن ساق حديث عمر: " لكنّ معنى هذا الحديث قد صحّ عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من وجوه ثابتة كثيرة، من حديث عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن مسعود، وعليّ بن أبي طالب، وأبي هريرة ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ وغيرهم "(٢).
وقال ـ بعد أن ساق روايات الحديث في أخذ الذريّة والإشهاد ـ: " قد أكثر الناس من تخريج الآثار في هذا الباب، وأَكَثَرَ المتكلّمون من الكلام فيه، وأهل السنّة مجتمعون على الإيمان بهذه الآثار، واعتقادها، وترك المجادلة فيها، وبالله العصمة والتوفيق "(٣).
(٢) التمهيد: ٦/ ٦.
(٣) السابق: ٦/ ١٢. وينظر: التفسير الكبير للرازي: ٥/ ٤٠١.