وحجّتهم بيّنها الطبريّ ـ رحمه الله ـ، حيث ذكر أنّ سباق الآية وسياقها يدلاّن على ذلك، قال ـ بعد أن ذكر الأقوال في معنى الآية ـ: " وأولى ذلك عندي بالصواب، قول من قال: معنى ذلك: ثقلت الساعة في السموات والأرض على أهلها أن يعرفوا وقتها وقيامها، لأنّ الله أخفى ذلك عن خلقه، فلم يُطلع عليه منهم أحداً، وذلك أنّ الله أخبر بذلك بعد قوله: ﴿ قل إنّما علمها عند ربّي لا يجلّيها لوقتها إلا هو ﴾، وأخبر بعده أنّها لا تأتي إلا بغتة، فالذي هو أولى أن يكون ما بين ذلك أيضاً خبراً عن خفاء علمها عن الخلق، إذ كان ما قبله، وما بعده كذلك "(١).
واختار بعض المفسّرين أنّ المعنى: كبرت، وعظمت، وشقّ على أهل السموات والأرض خفاؤها. وممّن اختار هذا القول: الزمخشريّ(٢)، والواحديّ(٣)، والبيضاويّ(٤).
وسلك بعض المفسّرين مسلكاً وسطاً يجمع بين القولين، فقالوا: خفي علمها على أهل السموات والأرض، واشتدّ أمرها أيضاً، وعظم.
ومّمن سلك هذا المسلك: البغويّ(٥).
وهذا القول هو الأوفق لمعنى الآية، وذلك لوجوه:
؟ أحدها: أنّه يجمع بين القولين، وكلّ ما أمكن الجمع بين الأقوال، فهو أولى ما لم تتعارض.
؟ الثاني: أنّ سياق الآية يدلّ لذلك. أمّا خفاؤها، فقد دلّ عليه قوله قبلها: ( قل إنّما علمها عند ربّي )، وقوله بعدها: ( لا تأتيكم إلا بغتة ). وأمّا شدّتها، وعظم شأنها، فقد دلّ عليه قوله: ( لا يجلّيها لوقتها إلا هو )، ولفظ التجلّي يفيد عظمة المتجلّي، وخطره، كما قال في السورة نفسها: ﴿.. فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكّاً.. ﴾ [الأعراف: ١٤٣].

(١) جامع البيان: ٦/ ١٣٨.
(٢) ينظر: الكشّاف: ٢/ ١٠٧.
(٣) ينظر: الوجيز: ١/ ٤٢٤.
(٤) ينظر: أنوار التنزيل: ٣/ ٨٠. واختاره من المتأخّرين: ابن عاشور: ٨/ ٣٧٧.
(٥) ينظر: معالم التنزيل: ٣/ ٣١٠. واختاره من المتأخّرين: البقاعيّ: ٣/ ١٦٥، والسعديّ: ٣/ ١٢٥.


الصفحة التالية
Icon