وافق الشيخ فيما ذهب إليه عامّة المفسّرين من المتقدّمين والمتأخّرين، وانفرد ابن العربيّ ـ رحمه الله ـ فذكر أنّ الأصحّ هو القول الثاني، وهو أنّ الأنفال ملك للرسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ خاصّة، مستدلاً بقوله عليه الصلاة والسلام: " ما لي ممّا أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم "(١). لكنّه عقّب على ذلك بقوله: " وليس يستحيل أن يملكّه الله لنبيه تشريفاً وتقديماً بالحقيقة، ويردّه رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ تفضّلاً على الخليقة "(٢).
والراجح: ما ذهب إليه عامّة المفسّرين، ورجّحه الشيخ ـ رحمه الله ـ، وذلك لوجوه:
؟ أحدها: مجيء العطف في قوله تعالى: ( لله والرسول ) دون إعادة اللام في الرسول، ولو كانت اللام للملك، لما صحّ هذا العطف دون إعادتها كما جاء ذلك في مواضع أخرى مثل قوله تعالى: ﴿ واعلموا أنّما غنمتم من شي ء فأنّ لله خمسه وللرسول..﴾[الأنفال: ٤١]، فتعيّن كونها للاختصاص لا للملك والاستحقاق(٣).
؟ والثاني: دلالة السياق، فإنّ الله قال في آخر الآية: ﴿ وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ﴾، وفي ذلك تأكيد على أنّ أمر الأنفال مختصّ بالله والرسول، يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته، ويمتثل الرسول أمر الله فيها، وليس الأمر في قسمتها مفوّضاً إلى رأي أحد.
؟ والثالث: أنّ هذا القول هو قول جماهير المفسّرين، من المتقدّمين والمتأخّرين، وهو شبه إجماع.

(١) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ١٧٦، برقم: ١٧١٢٤، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب في الإمام يستأثر بشيء من الفيء لنفسه: ٣/ ٣٣٥، برقم: ٢٧٤٩، والنسائي في السنن الكبرى في كتاب الخمس: ٣/ ٤٥، برقم: ٤٤٤٠، والطبراني في الأوسط ( القاهرة: دار الحرمين ): ٢/ ٢٤٢، برقم: ١٨٦٤، بألفاظ متقاربة. وحسّن إسناده ابن حجر في الفتح: ٦/ ٢٤١.
(٢) أحكام القرآن: ٢/ ٨٩٣.
(٣) ينظر: التحرير والتنوير: ٩/ ١١.


الصفحة التالية
Icon