وأمّا ما استدلّ به ابن العربيّ ـ رحمه الله ـ من قوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: " ما لي ممّا أفاء الله عليكم إلا الخمس.. "، فذلك خاصّ بالخمس كما هو ظاهر من لفظ الحديث، فلا يصحّ الاستدلال به في هذا الموضع.
وقد جعل الشيخ ـ رحمه الله ـ حكم هذه الآية، كحكم مثيلاتها من الآيات التي ورد فيها إضافة المال إلى الله ورسوله، كقوله تعالى: ﴿ واعلموا أنّما غنمتم من شي ء فأنّ لله خمسه وللرسول..﴾[الأنفال: ٤١]، وقوله: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول..﴾[الحشر: ٧].
والذي يظهر لي ـ والله تعالى أعلم ـ اختلاف الحكم في ذلك، فإنّ اللام في قوله: ﴿ قل الأنفال لله والرسول ﴾ لام الاختصاص كما سبق، وليست لام الملك والاستحقاق، فهي بمعنى (إلى )، والمعنى: أنّ حكم الأنفال إلى الله ورسوله، ولذا جاء السؤال ( عن ) الأنفال، ولو كانت اللام للملك والاستحقاق، لقال: ( يسألونك الأنفال )(١)، فدلّ ذلك على أنّ المعنى: يسألونك عن حكم الأنفال. فجاء الجواب: أنّ حكمها مختصّ بالله والرسول. والمراد بالأنفال هنا: عموم الغنائم، وذلك أنّ هذه الغنائم هي أوّل غنائم يغنمونها في الإسلام، فكان حكمها خافياً عليهم، حتّى جاء بيانها بعد ذلك في السورة نفسها في قوله تعالى:{ واعلموا أنّما غنمتم من

(١) قد ورد هذا اللفظ في قراءة ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ ( ينظر: المحتسب: ١/ ٢٧٢ )، فيحتمل أن يكون بعضهم قد سأل سؤال استخبار، وبعضهم سؤال طلب، فاقتصر الله على سؤال الطائفة الأولى لأنّه أكمل في الأدب مع الله ورسوله، وليرتب عليه حكم هذه الأنفال.


الصفحة التالية
Icon