ثمّ عقّب الشيخ على ذلك بقوله: " فهذه كلّها أقوال باطلة قد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع، ولكنّ المؤمن المطلق في باب الوعد والوعيد ـ وهو المستحقّ لدخول الجنّة بلا عقاب ـ هو المؤدّي للفرائض، المجتنب للمحارم، وهؤلاء هم المؤمنون عند الإطلاق، فمن فعل هذه الكبائر، لم يكن من هؤلاء المؤمنين، إذ هو متعرّض للعقوبة على تلك الكبيرة، وهذا معنى قول من قال: أراد به نفي حقيقة الإيمان، أو نفي كمال الإيمان، فإنّهم لم يريدوا نفي الكمال المستحبّ، فإنّ ترك الكمال المستحبّ، لا يوجب الذمّ والوعيد. والفقهاء يقولون: الغسل ينقسم إلى كامل ومجزىء. ثمّ من عدل عن الغسل الكامل إلى المجزىء، لم يكن مذموماً. فمن أراد بقوله: نفي كمال الإيمان، أنّه الكمال المستحبّ، فقد غلط، وهو يشبه قول المرجئة، ولكن يقتضي نفي الكمال الواجب، وهذا مطّرد في سائر ما نفاه الله ورسوله، مثل قوله: ﴿ إنّما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ءايته زادتهم إيماناً.. ﴾، إلى قوله: ﴿ أولئك هم المؤمنون حقّاً..﴾.."(١).
الدراسة، والترجيح:
انفرد الشيخ ـ رحمه الله ـ بالتنبيه على هذه المسألة عند هذه الآية دون سائر المفسّرين، وذلك لأنّها من المسائل العقديّة الدقيقة، وإن كان بعض المفسّرين قد ذكر أنّ المراد بالإيمان في هذه الآية: الإيمان الكامل. وممّن ذكر ذلك: الزمخشريّ(٢)، والسيوطيّ(٣)، والشوكانيّ(٤)، والألوسيّ(٥)، وصدّيق حسن خان(٦)،
(٢) ينظر: الكشَاف: ٢/ ١١٣.
(٣) ينظر: قطف الأزهار في كشف الأسرار ( قطر: وزارة الأوقاف ): ٢/ ١٠٩١.
(٤) ينظر: فتح القدير: ٢/ ٣٢٦.
(٥) ينظر: روح المعاني: ٩/ ١٥٨.
(٦) ينظر: فتح البيان في مقاصد القرآن ( ط: القاهرة ) : ٤/٤.
وصدّيق حسن هو أبو الطيب صدّيق بن حسن بن عليّ الحسيني البخاري القنوجي، نزيل بهوبال بالهند، من أبرز مشايخه: محمد صدر الدين خان، ووليّ الله الدهلوي. له مصنفات كثيرة في علوم شتّى، تأثّر بدعوة الإمام الشوكانيّ عن طريق تلامذته فاعتنق المذهب السلفيّ، ودعا إلى محاربة التقليد، مات سنة: ١٣٠٧هـ ( تنظر ترجمته لنفسه في كتابه: التاج المكلّل: ص٥٤٦ ).