وابن عاشور(١)، لكنّ أحداّ منهم لم ينبّه إلى ما نبّه إليه الشيخ من التفريق بين الكمالين: الواجب والمستحبّ، وإن كان مفهوم كلامهم يدلّ على ذلك، إلا الزمخشريّ، فإنّه وإن لم يصرّح بمذهب أهل الاعتزال، لكنّه ـ على عادته في الدسّ ـ ذكر مذهب أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ في عدم الاستثناء في الإيمان، وكأنّه يريد الإشارة إلى قول من قال من المرجئة: إنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأنّه كلٌ لا يتجزّأ، فإذا ذهب بعضه ذهب كلّه.. وليس هذا هو مذهب أبي حنيفة، ولا من وافقه من فقهاء الكوفة وغيرهم، فإنّهم متّفقون ـ مع جميع علماء أهل السنّة ـ على أنّ أصحاب الكبائر داخلون تحت الذمّ والوعيد، وإن قالوا إنّ إيمانهم كامل كإيمان جبريل، وهم موافقون لأهل السنّة في عدم تخليد الفاسق الملّيّ في النار، وإن نفوا عن الفاسق اسم الإيمان(٢)، بخلاف مذهب أهل الاعتزال الذين يرون تخليده في النار.
٧٧ ـ قوله تعالى: ﴿.. وإذا تُلِيَتْ عليهم ءايتُه زادتهم إيماناً..﴾[ الأنفال: ٢].
رجّح الشيخ ـ رحمه الله ـ أنّ زيادة الإيمان المذكورة في الآية، إنّما تكون وقت تلاوة الآيات، وليس المراد تصديقهم بها عند النزول.
قال ـ رحمه الله ـ: " والزيادة قد نطق بها القرآن في عدّة آيات، كقوله تعالى: ﴿ إنّما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ءايته زادتهم إيماناً..﴾، وهذه زيادة إذا تليت عليهم الآيات، أي وقت تليت، ليس هو تصديقهم بها عند النزول، وهذا أمر يجده المؤمن. إذا تليت عليه الآيات زاد بفهم القرآن، ومعرفة معانيه من علم الإيمان ما لم يكن، حتّى كأنّه لم يسمع الآية إلا حينئذٍ، ويحصل في قلبه من الرغبة في الخير، والرهبة من الشرّ، ما لم يكن، فزاد علمه بالله، ومحبّته لطاعته، وهذه زيادة الإيمان "(٣).

(١) ينظر: التحرير والتنوير: ٩/ ٢٠، ٢١.
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى: ٧/ ٢٢٣، ٢٩٧.
(٣) مجموع الفتاوى: ٧/ ٢٢٨.


الصفحة التالية
Icon