وقال في موضع آخر: ".. قوله ﴿.. وما رميت إذ رميت ولكن ّ الله رمى.. ﴾ لم يرد به أنّ فعل العبد هو فعل الله تعالى ـ كما تظنّه طائفة من الغالطين ـ، فإنّ ذلك لو كان صحيحاً، لكان ينبغي أن يقال لكلّ أحد، حتّى يقال للماشي: ما مشيت إذ مشيت، ولكنّ الله مشى. ويقال للراكب: وما ركبت إذ ركبت، ولكنّ الله ركب. ويقال للمتكلّم: ما تكلّمت إذ تكلّمت، ولكنّ الله تكلّم. ويقال ذلك للآكل، والشارب والصائم والمصلي، ونحو ذلك. وطرد ذلك يستلزم أن يقال للكافر: ما كفرت إذ كفرت، ولكنّ الله كفر. ويقال للكاذب: ما كذبت إذ كذبت، ولكنّ الله كذب. ومن قال مثل هذا فهو كافر ملحد، خارج عن العقل والدين. ولكنّ معنى الآية: أنّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يوم بدر رماهم، ولم يكن في قدرته أن يوصل الرمي إلى جميعهم، فإنّه إذ رماهم بالتراب، وقال: " شاهت الوجوه"(١)، لم يكن في قدرته أن يوصل ذلك إليهم كلّهم، فالله تعالى أوصل ذلك الرمي إليهم كلّهم بقدرته، يقول: وما أوصلت إذ حذفت، ولكنّ الله أوصل. فالرمي الذي أثبته له ليس هو الرمي الذي نفاه عنه، فإنّ هذا مستلزم للجمع بين النقيضين، بل نفى عنه الإيصال والتبليغ، وأثبت له الحذف والإلقاء "(٢).
(٢) مجموع الفتاوى: ٢/ ٣٣١، ٣٣٢.. وينظر: منهاج السنة النبويّة: ٢/ ٤٤، والاستغاثة: ١/ ٣٢٣.