ثمّ قال ـ رادّاً على هؤلاء المنكرين ـ: " قد علمتم إضافة الله رمي نبيّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ المشركين إلى نفسه، بعد وصفه نبيّه به، وإضافته إليه، وذلك فعل واحد: كان من الله تسبيبه وتسديده، ومن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ الحذف والإرسال، فما تنكرون أن يكون كذلك سائر أفعال الخلق المكتسبة: من الله الإنشاء والإنجاز، ومن الخلق الاكتساب بالقُوى؟ فلن يقولوا في أحدهما قولاً، إلا ألزموا في الآخر بمثله "(١).
وقال النسفيّ ـ رحمه الله ـ: " وفي الآية بيان أنّ فعل العبد مضاف إليه كسباً، وإلى الله تعالى خَلْقاً، لا كما تقول الجبريّة والمعتزلة، لأنّه أثبت الفعل من العبد بقوله: ( إذ رميت )، ثمّ نفاه عنه، وأثبته لله تعالى بقوله: ( ولكنّ الله رمى )"(٢).
واختار النحّاس قولاً غريباً، فذكر أنّ التقدير: وما رميت بالرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء في وجوههم، وقلت: " شاهت الوجوه "؛ ولكنّ الله رمى بالرعب في قلوبهم(٣).
وأمّا القول الأوّل، فلم أر من اختاره من المفسّرين، بل لم أر من ذكره، فضلاً عن اختياره.
والراجح: ما ذهب إليه الشيخ ـ رحمه الله ـ لقوّة حجّته ووضوحها. وقد أجاب الشيخ عن القولين الآخرين بما يشفي ويكفي، وبيّن أنّ ما ورد في هذه الآية من إضافة القتل والرمي إلى الله، خاصّ بغزوة بدر ونحوها ممّا هو خارق للعادة، وليس كما قال الطبريّ أنّ ذلك كذلك في سائر أفعال الخلق المكتسبة، إذ يلزم من هذا القول ما ذكره الشيخ من إفضائه إلى أن يقال: وما مشيت إذ مشيت، ولكنّ الله مشى.. الخ، إلى أن يقال: وما كفرت إذ كفرت، ولكنّ الله كفر. ولا يخفى فساد هذا القول.
وأمّا ما اختاره النحّاس، فقد حكاه بعض المفسّرين، لكن لم أر من اختاره، وهو في غاية الضعف لوجوه:
(٢) مدارك التنزيل: ٢/ ٥٩.
(٣) ينظر: معاني القرآن: ٣/ ١٤١.