عليه وسلّم ـ لمّا همّوا أن يتنازعوا في الأنفال، حتى نزلت الآيات في ردّ الأمر إلى الله ورسوله، ثمّ حذّرهم الله من فتنة لا يقتصر ضررها على الظالمين خاصّة، بل يتعدّى إلى كلّ من شارك في هذه الفتنة بقول أو فعل، وإن لم يكن ظالماً، وإلى الساكتين عنها، غيرِ المنكرين لها والناهين عنها(١)، وقد وقع ذلك لأصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بعد وفاته في وقعة الجمل(٢)، حتّى رأوا أنّ هذه الآيات إنّما نزلت فيهم، كما قال الزبير بن العوّام ـ رضي الله عنه ـ: " نزلت هذه الآية: ﴿ واتّقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة ﴾، وما نظنّنا أهلها، ونحن عنينا بها "(٣).
وأمّا تفسير الفتنة بالعذاب، فلا يصحّ، لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ باين بينهما، كما في قوله تعالى: ﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ﴾[النور: ٦٣]، فجعل الفتنة قسيماً للعذاب.

(١) يقول الدكتور محمّد أمين المصري ـ رحمه الله ـ في كتابه ( من هدي سورة الأنفال ( الكويت: مكتبة دار الأرقم ): ص٢٨٠ ): " والذي أفهمه من هذا، أنّ الفتنة إذا عمّت في مجتمع، وطغت [ يعني دون نكير ]، ثمّ استيقظ الناس للقضاء عليها، وجدوا الأمر قد خرج من أيديهم، وألفوا الخرق قد اتّسع على الرتق، وهنا تضيع حكمة الحكماء، ويذهب تدبير العقلاء، وتغلب على العقول الحيرة، وتستولي عليها الدهشة، ويصبح ذوو العقول وكأنّما عطّلت عقولهم، وإنّا لنجد هذه المعاني في كثير من المجتمعات الإسلاميّة الحاضرة ".
(٢) وقعة الجمل كانت بين عائشة وطلحة والزبير ـ رضي الله عنهم ـ من جانب، وعليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ من الجانب الآخر. وسببها: مقتل عثمان ـ رضي الله عنه ـ، والمطالبة بدمه. ( ينظر: الكامل في التاريخ: ٣/ ١٠٥ ).
(٣) أخرج ذلك ابن جرير بسنده إلى الزبير. ( ينظر: جامع البيان: ٦/ ٢١٦ ).


الصفحة التالية
Icon