وأمّا ما ذهب إليه الرازي ومن وافقه، من أنّ الفتنة تعمّ الجميع بلا استثناء، فهو مخالف لنصوص الكتاب والسنّة، كقوله تعالى: ﴿ إنّ الله لا يظلم مثقال ذرّة.. ﴾[النساء: ٤٠]، وقوله: ﴿ ولا يظلم ربّك أحداً ﴾[الكهف: ٤٩]، وقوله: ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾[الإسراء: ١٥]، وقوله في الحديث القدسيّ: " إنّي حرّمت الظلم على نفسي.. "(١).
وقول الرازي: إنّ ذلك يَحْسُن منه تعالى بحكم المالكيّة.. الخ، مردود لما سبق من تحريمه تعالى
الظلم على نفسه بأيّ حال من الأحوال، ولو كان هو المالك للعباد.
وأمّا إنزال الموت والفقر والعمى والزمانة بعبده ابتداءً، فليس ذلك من الظلم أصلاً، فإنّ الظلم شيء طارىء، وما ينزله الله تعالى بعبده ابتداءً خلاف ذلك، فلا يعدّ من الظلم.
وأمّا ما ذهب إليه بعض المفسّرين من أنّ القول بالخصوص خلاف ظاهر الآية، وأنّ المعنى لو كان عموم الفتنة، لكان: ( لا تصيبُ ) بالرفع.. فقد أجيب عنه بعدّة وجوه محتملة، منها:
١. أنّه مستأنف، وهو جواب قسم محذوف، أي: والله لا تصيبنّ الذين ظلموا خاصّة، بل تعمّ.
٢. أنّه نهي، والكلام محمول على المعنى، كما تقول: لا أرَينّك ها هنا. أي: لا تكن ها هنا. وكذلك المعنى هنا: لا تدخلوا في الفتنة، فإنّ من يدخل فيها، تنزل به عقوبة عامّة(٢).
٣. أنّه نهي فيه معنى جواب الأمر، كما يقال: لا تَزِلّ من الدابّة، لا تطرحنّك، وقد جاء مثله في القرآن: ﴿ ادخلوا مسكنكم لا يحطمنّكم سليمن وجنوده..﴾[النمل: ١٨]. ذكره ابن العربيّ(٣).
وأمّا قراءة ( لتصيبنّ ) فهي شاذّة(٤). ويمكن حملها على معنى صحيح يوافق معنى القراءة

(١) أخرجه بطوله: مسلم في كتاب البرّ والصلة، باب تحريم الظلم: ص٦٥٨، برقم: ٢٥٧٧.
(٢) ينظر: التبيان في إعراب القرآن: ص١٧٧.
(٣) ينظر: أحكام القرآن: ٢/ ٨٤٨.
(٤) ينظر: المحتسب: ١/٢٧٢. وينظر: معجم القراءات القرآنيّة: ٢/ ٢٦٢.


الصفحة التالية
Icon