؟ أحدها: أنّه لم يصحّ في سبب نزول هذه الآيات، وإنّما الذي صحّ: ما أخرجه مسلم في صحيحه، عن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ قال: كنت عند منبر رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام، إلاّ أن أسقي الحاجّ. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام، إلاّ أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل ممّا قلتم. فزجرهم عمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صلّيت الجمعة، دخلت فاستفيته فيما اختلفتم فيه. فأنزل الله: ﴿ أَجعلتم سِقايةَ الحاجِّ وعمارةَ المسجد الحرام كمن ءامن بالله واليوم الآخر..﴾ الآية إلى آخرها(١).
؟ الثاني: أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لم يعلّق هذا الفضل على الهجرة وحدها، وإنّما على الهجرة والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، بعد الإيمان بالله.
؟ الثالث: أنّ الثابت عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ تفضيل مكّة على المدينة، وهو قول جمهور أهل العلم، وهذا خلاف ما ورد في هذا الأثر من تفضيل المدينة درجة على مكّة(٢).

(١) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى: ص٤٩٤، برقم: ١٨٧٩.
(٢) عن عبد الله بن عديّ بن حمراء الزهري ـ رضي الله عنه ـ قال: رأيت رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ واقفاً على الحَزْوَرَة، فقال: " والله إنّكِ لخير أرض الله، وأحبّ أرض الله إلى الله، ولولا أنّي أُخرجت منكِ، ما خرجت ". أخرجه الترمذي في كتاب المناقب، باب في فضل مكّة: ص١٠٦٤، برقم: ٣٩٣٤، وقال: حديث حسن غريب صحيح، وابن حبّان في صحيحه: ٩/ ٢٢، برقم: ٣٧٠٨، والنسائي في السنن الكبرى: ٢/ ٤٧٩، برقم: ٤٢٥٢، وابن ماجه في أبواب المناسك، باب فضل مكّة: ٢/ ٢٠٠، برقم: ٣١٤٥.
قال ابن عبد البرّ في التمهيد (٦/٣٢): " وهذا من أصحّ الآثار عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ " وذكر أنّه نصّ قاطع في موضع الخلاف. وصحّحه الحافظ ابن حجر في الفتح: ٣/ ٦٧. وينظر: فضائل مكّة للحسن البصريّ ( الكويت: مكتبة الفلاح ): ص١٨، وأخبار مكّة للفاكهيّ ( بيروت: دار خضر ): ٢/ ٢٩٠، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام للعزّ بن عبد السلام ( بيروت: دار الكتب العلميّة ): ١/ ٣٩. وقد ذكر ـ رحمه الله ـ اثني عشر وجهاً في تفضيل مكّة، وأجاب عن شبه القائلين بتفضيل المدينة.
والحزورة: كانت سوق مكّة، ثمّ أدخلت في المسجد لمّا زيد فيه. ( ينظر: معجم البلدان: ٢/ ٢٥٥ ).


الصفحة التالية
Icon