والعرب تطلق الهم وتريد به المحبة والشهوة، فيقول الإنسان فيما لا يحبه ولا يشتهيه: هذا ما يهمني، ويقول فيما يحبه ويشتهيه، هذا أهم الأشياء إلي، بخلاف هم امرأة العزيز فإنه هم عزم وتصميم بدليل أنها شقت قميصه من دبر وهو هارب عنها ولم يمنعها من الوقوع فيما لا ينبغي إلا عجزها عنه.
وأما تأويلهم همَّ يوسف بأنه قارب الهم ولم يهم بالفعل كقول العرب: قتلته لو لم أخف الله أي قاربت أن أقتله كما قاله الزمخشري، وتأويل الهم بأنه هم بضربها أو هم بدفعها عن نفسه فكل ذلك غير ظاهر بل بعيد من الظاهر ولا دليل عليه.
والجواب الثاني:- وهو اختيار أبي حيان - أن يوسف لم يقع منه هم أصلاً بل هو منفي عنه لوجود البرهان.
قال مقيده عفا الله عنه: هذا الوجه الذي اختاره أبو حيان وغيره هو أجرى الأقوال على قواعد اللغة العربية لأن الغالب في القرآن وفي كلام العرب: أن الجواب المحذوف يذكر قبله ما يدل عليه كقوله تعالى: ﴿ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) ﴾ [يونس: ٨٤] أي إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه فالأول: دليل الجواب المحذوف لا نفس الجواب لأن جواب الشروط وجواب لولا لا يتقدم ولكن يكون المذكور قبله دليلاً عليه كالآية المذكورة، وكقوله تعالى: ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) ﴾ [البقرة: ١١١] أي إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم.
وعلى هذا القول: فمعنى الآية: وهم بها لولا أن رأى برهان ربه أي لولا أن رآه هم بها، فما قبل (لولا) هو دليل الجواب المحذوف كما هو الغالب في القرآن واللغة.
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا ﴾ [القصص: ١٠] فما قبل (لولا) دليل الجواب، أي: لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به](١).
* دراسة الترجيح:-

(١) أضواء البيان للشنقيطي ٢/٣٥، ٣٦.


الصفحة التالية
Icon