بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من الناس من يموت قبل بلوغ أرذل العمر، ومنهم من يعمر حتى يرد إلى أرذل العمر، وأرذل العمر آخره الذي تفسد فيه الحواس ويختل فيه النطق والفكر، وخص بالرذيلة لأنه حال لا رجاء بعدها لإصلاح ما فسد، بخلاف حال الطفولة فإنها حال ينتقل منها إلى القوة وإدراك الأشياء، وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر كقوله تعالى: ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ [الحج: ٥]، وقوله تعالى: ﴿ * اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ﴾ [الروم: ٥٤].....
وعن علي رضي الله عنه: أن أرذل العمر خمس وسبعون سنة، وعن قتادة تسعون سنة، والظاهر أنه لا تحديد له بالسنين وإنما هو باعتبار تفاوت حال الأشخاص، فقد يكون ابن خمس وسبعين أضعف بدناً وعقلاً وأشد خرفاً من آخر ابن تسعين سنة، وظاهر قول زهير في معلقته:
| سئمت تكاليف الحياة ومن يعش | ثمانين حولاً لا أبالك يسأم(١) |
| إن الثمانين وبلغتها | قد أحوجت سمعي إلى ترجمان(٢)](٣) |
والبيت في ديوانه ص١٦، شرح محمد الحضرمي، تحقيق علي الهروط، جامعة مؤتة ط١ ١٤١٦هـ.
(٢) البيت لابن نباتة: جمال الدين بن نباتة المصري الفاروقي ت٧٦٨هـ، ينظر ديوانه ص٥٢٩، دار إحياء التراث العربي بيروت.
(٣) أضواء البيان للشنقيطي ٢/١٦٩.