وزعم بعضهم: أن الإسراء بالجسد، والمعراج بالروح دون الجسد، ولكن ظاهر القرآن يدل على أنه بروحه وجسده - ﷺ - يقظة لا مناماً لأنه قال: "بعبده" والعبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، ولأنه قال "سبحان" والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان مناماً لم يكن له كبير شأن حتى يتعجب منه، ويؤيده قوله تعالى ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) ﴾ [النجم: ١٧] لأن البصر من آلات الذات لا الروح، وقوله هنا "لنريهُ من آياتنا".
ومن أوضح الأدلة القرآنية على ذلك قوله جل وعلا ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ ﴾ [الإسراء: ٦٠] فإنها رؤيا عين يقظة لا رؤيا منام كما صح عن ابن عباس وغيره.
ومن الأدلة الواضحة على ذلك أنها لو كانت رؤيا منام لما كانت فتنة ولا سبباً لتكذيب قريش، لأن رؤيا المنام ليست محل إنكار لأن المنام قد يرى فيه ما لا يصح، فالذي جعله الله فتنة هو ما رآه بعينه من الغرائب والعجائب، فزعم المشركون أن من ادعى رؤية ذلك بعينه فهو كاذب لا محالة، فصار فتنة لهم...
ويؤيد ما ذكرنا من كونها رؤيا عين يقظة قوله تعالى هنا ﴿ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا ﴾ وقوله، ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) ﴾ [النجم: ١٧ - ١٨].
وما زعمه بعض أهل العلم من أن الرؤيا لا تطلق بهذا اللفظ لغة إلا على رؤيا المنام مردود، بل التحقيق: أن لفظ الرؤيا يطلق في لغة العرب على رؤية العين يقظة أيضاً، ومنه قول الراعي وهو عربي قح:
| فكبر للرؤيا وهش فؤاده | وبشر نفساً كان قبل يلومها(١) |