ذهب جمهور المفسرين(١) إلى أنه أسري بالنبي - ﷺ - بروحه وجسده يقظة لا مناماً، ويدل له قوله تعالى هنا "بعبده" والعبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وكذلك قوله تعالى "سبحان" والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان مناماً لم يكن له كبير شأن حتى يتعجب منه، ويؤيده أيضاً قوله تعالى ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) ﴾ [النجم: ١٧] لأن البصر من آلات الذات لا الروح، وكذلك قوله تعالى هنا "لنريه من آياتنا".
ومن أوضح الأدلة على ذلك أيضاً قوله تعالى ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ ﴾ فإنها رؤيا عين يقظة لا رؤيا منام.
ومن الأدلة الواضحة على ذلك أنها لو كانت رؤيا منام لما كانت فتنة ولا سبباً لتكذيب قريش لأن رؤيا المنام ليست محل إنكار، لأن المنام قد يرى فيه ما لا يصح.
ومما يؤيد كونها رؤيا عين يقظة قوله تعالى "لنريه من آياتنا" وقوله تعالى: ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) ﴾ [النجم: ١٧ - ١٨].

(١) ينظر: جامع البيان للطبري ٨/١٦، ١٧، والنكت والعيون للماوردي ٣/٢٢٦، ومعالم التنزيل للبغوي ٣/٩٢ ونسبه إلى الأكثر، والكشاف للزمخشري ٣/٤٩٣، وأحكام القرآن لابن العربي ٣/١٧٨، والمحرر الوجيز لابن عطية ٣/٤٣٤، ٤٣٥، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٠/١٨٤، ورجحه ابن كثير في تفسير القرآن العظيم ٣/٢٤، والخازن في لباب التأويل ٤/١١٠، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم ٥/١٥٥، والشوكاني في فتح القدير ٣/٢٨٧، والسعدي في تيسير الكريم الرحمن ٣/٩٥ وغيرهم.


الصفحة التالية
Icon