وسوف أقتصر في هذا المبحث على المنهج المختار في هذه الرسالة وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء من المحدثين(١) (٢)، والشافعية(٣) (٤)، والحنابلة(٥)

(١) هم أصحاب الحديث الذين اعتنوا بدراسة الحديث دراية ورواية، من أصحاب الإمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وداود الظاهري وسفيان الثوري وغيرهم، انظر الملل والنحل (١/٢٤٣)، وتدريب الراوي (١/٤٨).
(٢) انظر مقدمة ابن الصلاح (٢٨٥)، وفتح المغيث مع متن ألفية العراقي (٣/٧٥ - ٧٨)، تدريب الراوي في شرح التقريب للسيوطي (٢/١٩٧ - ١٩٩).
(٣) أصحاب المذهب الفقهي الشافعي وينسب للإمام الشافعي محمد بن إدريس، توفي سنة أربع ومائتين بعد الهجرة، انظر تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (٢١٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي لبدران أبو العينيين (١٣٧-١٤٣).
(٤) انظر الرسالة للشافعي (٣٤١)، واللمع في أصول الفقه للشيرازي (١٧٣).
(٥) أصحاب المذهب الفقهي الحنبلي، وينسب للإمام أحمد بن هلال بن حنبل، توفي سنة إحدى وأربعين ومائتين
بعد الهجرة، انظر تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (٢٢١)، وتاريخ الفقه الإسلامي لبدران أبو العينيين
١٤٤-١٤٩).

ما نقله ملا علي قارئ فقال: ويمكن أن يقال - جمعًا بين الآية والحديث - إن اختيار الفداء منهم أولاً كان بالإطلاق، ثم وقع التخيير بعده بالتقييد والله أعلم(١).
الذي يظهر أنه يريد أن العتاب في الآية وقع قبل التخيير فيكونون ابتداءً أخذوا بالفدية، ثم جاء الحديث بعد الآية بالتقييد على القتل العام القابل، فالعتاب يكون على الأول لا على الثاني، وبذلك لا يكون تعارض بين الآية والحديث لأن العتاب ليس على ما جاء في الحديث، ولكن على ما كان قبله.
ثانيًا : مسلك الترجيح:
قال أصحاب هذا المسلك: إن اختيار الصحابة للفداء هو من باب الاجتهاد في تخيير النبي - ﷺ - لهم بذلك، وليس ذلك بوحي سماوي من الله تعالى، فهم اجتهدوا في هذا الاختيار من أنفسهم فأخطأوا فعاتبهم الله على ذلك.
وأجابوا عن تصريح الحديث بنزول جبريل في التخيير، إن في نقل الحديث لَبس، فلعل علياً - رضي الله عنه - ذكر هبوط جبريل في شأن نزول هذه الآية وبيانها فاشتبه الأمر فيه على بعض الرواة.
وإلى هذا ذهب التوربشتي(٢) وملا علي قارئ(٣).
قال التوربشتي : ومما جرَّأنا على هذا التقرير سوى ما ذكرناه هو أن الحديث تفرد به يحيى ابن أبي زكريا بن أبي زائدة عن سفيان من بين أصحابه، فلم يروه غيره، والسمع قد يخطئ، والنسيان كثيرًا يطرأ على الإنسان، ثم إن الحديث روي عنه متصلاً، وروي عن غيره مرسلاً، وكل ذلك مما يمنع القول بظاهره (٤).
الدّراسة والترجيح
الذي يظهر أن الراجح في هذه المسألة هو القول الأول من مسلك الجمع وهو ما ذهب إليه ابن عطية في تخصيص العتاب للذي كان غرضه من الفداء الحياة الدنيا دون الآخرة، مع ثبوت وقوع هذا التخيير بوحي سماوي، ويدل على ترجيح هذا القول ما يلي:
(١) مرقاة المفاتيح (٧/٥٢٩).
(٢) انظر كتاب الميسر في شرح مصابيح السنة (٣/٩١٠).
(٣) انظر مرقاة المفاتيح (٧/٥٢٩).
(٤) كتاب الميسر في شرح مصابيح السنة (٣/٩١٠).

قال قتادة: وكانت تحية مَنْ قبلكم، كان بها يحيى بعضهم بعضاً، فأعطى الله هذه الأمة السلام، تحية أهل الجنة، كرامة من الله تبارك وتعالى عَجَّلها لهم، ونعمة منه(١).
قال ابن عطية: وأجمع المفسرون أن ذلك السجود على أي هيئة كان فإنما كان تحية لا عبادة(٢).
أجوبة العلماء في دفع موهم التعارض على ضوء القول الثاني:
الجواب الأول:
إن السجود كان على حقيقته وهو وضع الجبهة على الأرض، وهذا كان جائزاً في شرع من قبلنا على معنى التحية والسلام ثم نهي عنه في شريعتنا كما جاءت به الأحاديث.
واختار هذا القول الزجاج(٣)، وابن جرير(٤)، والنحاس(٥)، وأبو بكر بن الأنباري(٦)، والقرطبي(٧)، والبيضاوي(٨)، وأبو حيان(٩)، وابن كثير(١٠)، والخفاجي(١١)، والشوكاني(١٢)، وجوزه الألوسي(١٣).
قال ابن كثير: وقد كان هذا سائغاً في شرائعهم إذا سلَّموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزاً من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام، فحرم في هذه الملة، وجُعِل السجود مختصاً بجناب الرب سبحانه وتعالى(١٤).
الجواب الثاني:
(١) تفسير الطبري (١٣/٨٧).
(٢) المحرر الوجيز (٨/٨٠)، وانظر أحكام القرآن لابن العربي (٣/١١٠٦)، والجامع لأحكام القرآن (٩/٢٧١).
(٣) انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٣/١٢٩).
(٤) انظر تفسير الطبري (١٣/٨٧ - ٨٨).
(٥) معاني القرآن وإعرابه للنحاس (٣/٤٥٨).
(٦) نقل هذا عنه ابن الجوزي في زاد المسير (٤/٢٩٠).
(٧) انظر الجامع لأحكام القرآن (٩/٢٧١).
(٨) انظر تفسير البيضاوي (٣/١٧٧).
(٩) انظر البحر المحيط (٥/٣٤٨).
(١٠) انظر تفسير ابن كثير (٤/٤١٢).
(١١) انظر حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (٥/٣٦٠).
(١٢) انظر فتح القدير (٣/٥٦).
(١٣) انظر روح المعاني (١٣/٥٩).
(١٤) تفسير ابن كثير (٤/٤١٢).

٢٤٣- صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري، دار المغني، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٩ه‍.
٢٤٤- الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، محمد السخاوي، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٢ه‍.
٢٤٥- طبقات الشافعية الكبرى، عبد الوهاب السبكي، تحقيق: عبد الفتاح الحلو وآخرون، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.
٢٤٦- طبقات الشافعية، عبد الرحيم الأسنوي، تحقيق: كمال الحوت، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ه‍.
٢٤٧- طبقات الشافعية، لأبي بكر بن هداية الله الحسيني، تحقيق: عادل نويهيض، دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٧٩ه‍.
٢٤٨- الطبقات الكبرى، لابن سعد، دار صادر، بيروت، ١٤٠٥ه‍.
٢٤٩- طبقات المفسرين، أحمد الأذنه وي، تحقيق: سليمان الخزي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤١٧ه‍.
٢٥٠- طبقات المفسرين، عبد الرحمن السيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت.
٢٥١- طبقات المفسرين، محمد الداودي، دار الكتب العلمية، بيروت.
٢٥٢- طبقات فحول الشعراء، محمد الجمحي، شرح: محمود شاكر، دار المدني، جدة.
٢٥٣- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، محمد ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد جميل غازي، مكتبة المدني، جدة.
٢٥٤- ظلال الجنة في تخريج السنة، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤١٣ه‍.
٢٥٥- ظلمات أبي رية أمام أضواء السنة المحمدية، محمد عبد الرزاق حمزة، الناشر: حديث أكادمي، فيصل آباد، باكستان، ١٤٠٢ه‍.
٢٥٦- عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، محمد بن العربي الإشبيلي، دار الفكر، بيروت.
٢٥٧- العبر في خبر من غبر، محمد الذهبي، تحقيق: صلاح الدين المنجد، دائرة المطبوعات والنشر، الكويت، ١٩٦٠م.
٢٥٨- عصمة الأنبياء، محمد الرازي.
٢٥٩- العظمة، عبد الله بن محمد الأصفهاني، تحقيق: رضا الله المباركفوري، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ه‍.


الصفحة التالية
Icon