٢- حمل الإمام أحمد والأوزاعي(١)ومكحول(٢) تأخير النبي - ﷺ - لعدد من الصلوات في غزوة الخندق على حالة من حالات الحرب، وهي فيما إذا كان مشغولاً بالقتال، ولم يقدر على الصلاة راجلاً أو راكباً، فإنه يجوز له تأخير الصلاة حتى ينكشف القتال، وهذا يحصل عند اشتداد الخوف والتحام الصفوف، جمعاً بينه وبين قوله تعالى :﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾ [ البقرة : ٢٣٩ ].
بينما دفع أبو بكر بن الأثرم(٣)والشافعي ما يتوهم من التعارض بين القرآن وفعل النبي - ﷺ - بالقول بالنسخ وقالا : إن فعل النبي - ﷺ - يوم الخندق منسوخ بمشروعية صلاة الخوف الواردة في الكتاب والسنة(٤).
وستجد في ثنايا الدراسة التطبيقية مزيداً من الأمثلة على ذلك(٥).
(١) الأوزاعي هو : أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعي الدمشقي، من كبار تابعي التابعين، كان أحد الأئمة المجتهدين، لم يكن بالشام أعلم منه، توفي سنة (١٥٧هـ). انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي١/١٧٨، شذرات الذهب لابن العماد ١/٢٤١.
(٢) مكحول هو : أبو عبد الله مكحول الشامي، ثقة فقيه كثير الإرسال، مشهور، مات سنة بضع عشرة ومائة. انظر : الكاشف للذهبي٢/٢٩١، تقريب التهذيب لابن حجر ص ٥٤٥.
(٣) أبوبكر بن الأثرم هو: الإمام الحافظ العلامة أبو بكر أحمد بن محمد بن هانىء الإسكافي الأثرم الطائي، من تلاميذ الإمام أحمد، مصنف السنن، مات في حدود سنة(٢٦٠هـ). انظر : الجرح والتعديل لابن أبي حاتم٢/٧٢، سير أعلام النبلاء للذهبي ١٢/ ٦٢٣.
(٤) انظر هذه المسألة في الدراسة التطبيقية، الموضع رقم (٢٣).
(٥) انظر المواضع التالية :(١٣) (١٩) (٣٩) (٤٩) (٥٣) (٦٣) (٦٦).
(٢) مكحول هو : أبو عبد الله مكحول الشامي، ثقة فقيه كثير الإرسال، مشهور، مات سنة بضع عشرة ومائة. انظر : الكاشف للذهبي٢/٢٩١، تقريب التهذيب لابن حجر ص ٥٤٥.
(٣) أبوبكر بن الأثرم هو: الإمام الحافظ العلامة أبو بكر أحمد بن محمد بن هانىء الإسكافي الأثرم الطائي، من تلاميذ الإمام أحمد، مصنف السنن، مات في حدود سنة(٢٦٠هـ). انظر : الجرح والتعديل لابن أبي حاتم٢/٧٢، سير أعلام النبلاء للذهبي ١٢/ ٦٢٣.
(٤) انظر هذه المسألة في الدراسة التطبيقية، الموضع رقم (٢٣).
(٥) انظر المواضع التالية :(١٣) (١٩) (٣٩) (٤٩) (٥٣) (٦٣) (٦٦).
وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على عموم رسالة النبي - ﷺ - إلى جميع الخلق.
وجه التعارض المتوهم :
قد يتوهم من هذه الآيات وما في معناها أن النبي محمداً - ﷺ - أُرسل إلى العرب خاصة، والأحاديث تدل على عموم رسالة النبي - ﷺ - إلى جميع الخلق من الإنس والجن والعرب والعجم(١).
دفع موهم التعارض :
لقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على عموم رسالة النبي - ﷺ - إلى جميع الخلق، إنسهم وجنهم، عربهم وعجمهم، أحمرهم وأسودهم، وهذه هي إحدى الخصائص التي انفرد بها - ﷺ - عن الأنبياء قبله، إذ كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، ولئلا يتوهم هذا في رسولنا - ﷺ -، قال الله له :﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [ الأعراف: ١٥٨].
قال ابن جرير :" يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ - : قل يا محمد للناس كلهم : إني رسول الله إليكم جميعاً، لا إلى بعضكم دون بعض، كما كان من قبلي من الرسل، يرسل إلى بعض الناس دون بعض، فمن كان منهم أرسل كذلك، فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دون بعض، ولكنها إلى جميعكم "(٢).
وقال الله تعالى لنبيه - ﷺ - :﴿ قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ﴾ [الأنعام : ١٩].
(١) وقد أشار إلى ما قد يتوهم من التعارض بين هذه الآيات والحديث الرازي في التفسير الكبير ١٠/٥٣٨، وابن كثير في تفسيره ٨/١١٥، والألوسي في روح المعاني ٢٨/٩٤، والقاسمي في محاسن التأويل ٩/٢٢٨، والشنقيطي في أضواء البيان ١/٧٠.
(٢) جامع البيان ١٠/٤٩٨.
(٢) جامع البيان ١٠/٤٩٨.
دفع موهم التعارض :
لقد حكى بعض أهل العلم الإجماع على أن الحر لا يقتل بالعبد(١)، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، مستدلين بهذه الآية وغيرها من الأدلة(٢).
وإذا تبين هذا فإنه يندفع إيهام تعارض هذه الآية مع حديث سمرة - رضي الله عنه - إذا عرف أن الاستدلال بقوله تعالى :﴿ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ﴾ على أن الحر لا يقتل بالعبد من قبيل الاستدلال بمفهوم المخالفة، دون قيد أو شرط، وهذا لا يصح ؛ لأن من يستدلون بمفهوم المخالفة ويعتبرونه طريقاً للدلالة على الأحكام ـ وهم جمهور العلماء ـ يشترطون له شروطاً منها :
١ـ أن لا يوجد في المسكوت المراد إعطاؤه حكماً ـ هو ضد حكم المنطوق ـ دليلٌ خاص يدل على حكمه، فإن وجد هذا الدليل الخاص فهو طريق الحكم، لا مفهوم المخالفة.
(١) انظر : أحكام القرآن للشافعي ١/٢٧٥، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/١٢١، نيل الأوطار للشوكاني
٧/١٥٨، وفي هذا الإجماع نظر ؛ فقد خالف في ذلك علي وابن مسعود رضي الله عنهما، وابن المسيب، والشعبي والنخعي، وقتادة، وأبو حنيفة وأصحابه، والثوري، وداود، وغيرهم، وقالوا : إن الحر يقتل بالعبد.
انظر : المراجع في الهامش الذي يليه رقم (٢).
(٢) انظر : معالم السنن للخطابي ٤/٩، أحكام القرآن للجصاص ١/١٧٨، شرح السنة للبغوي ١٠/١٧٧، ١٧٨، التمهيد لابن عبد البر ٢٣/٤٣٧، أحكام القرآن لابن العربي ١/٩٢، بداية المجتهد لابن رشد ( الهداية في تخريج البداية ٨/٤١٩)، المغني لابن قدامة ١١/٤٧٣، ٤٧٤، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢/٢٥٠، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/٤٩٤.
٧/١٥٨، وفي هذا الإجماع نظر ؛ فقد خالف في ذلك علي وابن مسعود رضي الله عنهما، وابن المسيب، والشعبي والنخعي، وقتادة، وأبو حنيفة وأصحابه، والثوري، وداود، وغيرهم، وقالوا : إن الحر يقتل بالعبد.
انظر : المراجع في الهامش الذي يليه رقم (٢).
(٢) انظر : معالم السنن للخطابي ٤/٩، أحكام القرآن للجصاص ١/١٧٨، شرح السنة للبغوي ١٠/١٧٧، ١٧٨، التمهيد لابن عبد البر ٢٣/٤٣٧، أحكام القرآن لابن العربي ١/٩٢، بداية المجتهد لابن رشد ( الهداية في تخريج البداية ٨/٤١٩)، المغني لابن قدامة ١١/٤٧٣، ٤٧٤، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢/٢٥٠، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/٤٩٤.
وابن عاشور(١)، وابن عثيمين(٢).
التوجيه والترجيح :
الذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن هذين الوجهين في الجمع محتملان، ويندفع بهما الإشكال، ويزول بهما ما قد يتوهم من التعارض بين الآية والحديث.
- - -
١٨-١٨- قال تعالى :﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ... الآية ﴾ [ البقرة : ١٩٦].
موهم التعارض من السنة :
١- عن جابر - رضي الله عنه - قال : سئل النبي - ﷺ - عن العمرة أواجبة هي أم لا ؟ فقال :" لا، وأن تعتمر خير لك "(٣).
(١) انظر : التحرير والتنوير ٢/٢٢٥.
(٢) انظر : تفسير القرآن الكريم ٢/٤٠٦، والشرح الممتع على زاد المستقنع ٧/١٩٢.
(٣) أخرجه أحمد في المسند رقم (١٤٣٧٩) ٢٢/٢٩٠، والترمذي في الحج، باب ما جاء في العمرة أواجبة هي أم لا ؟ رقم (٩٣١) ٣/٢٧٠، وقال :" هذا حديث حسن صحيح "، من طريق الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مرفوعاً.
والحديث اختلف في رفعه ووقفه، فقال الدارقطني كما في نصب الراية ٣/١٥٠: " الحجاج بن أرطاة لا يحتج به، وقد رواه ابن جريج عن ابن المنكدر عن جابر موقوفاً "، وقال البيهقي في السنن الكبرى٤/٥٧٠ :" هذا هو المحفوظ عن جابر موقوف غير مرفوع، وروي عن جابر مرفوعاً بخلاف ذلك، وكلاهما ضعيف "، وقد رجح الوقف ابن حجر في بلوغ المرام ١/٤٤٧.
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ٧/٧٢: " قد يترخص الترمذي، ويصحح لابن أرطاة، وليس بجيد "، وقال النووي في المجموع ٧/٦: " ينبغي أن لا يغتر بكلام الترمذي في تصحيحه، فقد اتفق الحفاظ على تضعيفه "، وقال ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود ( عون المعبود ٥/٢٥٠) :" وقد نوقش الترمذي في تصحيحه، فإنه من رواية الحجاج بن أرطاة وقد ضعف، ولو كان ثقة فهو مدلس كبير، وقد قال عن محمد بن المنكدر لم يذكر سماعاً، ولا ريب أن هذا قادح في صحة الحديث "، وقال ابن الملقن في تحفة المحتاج ٢/١٣٠: " رواه الترمذي وقال : حسن في كل الروايات عنه خلا الكروخي فزاد صحيح، وخالفه البيهقي وغيره فضعفوه، و أنكروا عليه تصحيحه حتى قال ابن حزم : خبر باطل "، وانظر مثله في خلاصة البدر المنير له ١/ ٣٤٧.
وقد ضعف الحديث لوجود الحجاج بن أرطاة ابن حزم في المحلى ٧/٣٧، وابن عبد البر في التمهيد ٢٠/١٤، وابن حجر في التلخيص الحبير ٢/٢٢٦، وقال في فتح الباري ٣/ ٥٩٧: " ولا يثبت في هذا الباب عن جابر شيء ".
و انظر ترجمة الحجاج بن أرطاة فيما يلي : تهذيب الكمال للمزي ٥/٤٢٠، ميزان الإعتدال للذهبي ٢/١٩٧، تهذيب التهذيب لابن حجر ٢/١٧٢.
(٢) انظر : تفسير القرآن الكريم ٢/٤٠٦، والشرح الممتع على زاد المستقنع ٧/١٩٢.
(٣) أخرجه أحمد في المسند رقم (١٤٣٧٩) ٢٢/٢٩٠، والترمذي في الحج، باب ما جاء في العمرة أواجبة هي أم لا ؟ رقم (٩٣١) ٣/٢٧٠، وقال :" هذا حديث حسن صحيح "، من طريق الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مرفوعاً.
والحديث اختلف في رفعه ووقفه، فقال الدارقطني كما في نصب الراية ٣/١٥٠: " الحجاج بن أرطاة لا يحتج به، وقد رواه ابن جريج عن ابن المنكدر عن جابر موقوفاً "، وقال البيهقي في السنن الكبرى٤/٥٧٠ :" هذا هو المحفوظ عن جابر موقوف غير مرفوع، وروي عن جابر مرفوعاً بخلاف ذلك، وكلاهما ضعيف "، وقد رجح الوقف ابن حجر في بلوغ المرام ١/٤٤٧.
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ٧/٧٢: " قد يترخص الترمذي، ويصحح لابن أرطاة، وليس بجيد "، وقال النووي في المجموع ٧/٦: " ينبغي أن لا يغتر بكلام الترمذي في تصحيحه، فقد اتفق الحفاظ على تضعيفه "، وقال ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود ( عون المعبود ٥/٢٥٠) :" وقد نوقش الترمذي في تصحيحه، فإنه من رواية الحجاج بن أرطاة وقد ضعف، ولو كان ثقة فهو مدلس كبير، وقد قال عن محمد بن المنكدر لم يذكر سماعاً، ولا ريب أن هذا قادح في صحة الحديث "، وقال ابن الملقن في تحفة المحتاج ٢/١٣٠: " رواه الترمذي وقال : حسن في كل الروايات عنه خلا الكروخي فزاد صحيح، وخالفه البيهقي وغيره فضعفوه، و أنكروا عليه تصحيحه حتى قال ابن حزم : خبر باطل "، وانظر مثله في خلاصة البدر المنير له ١/ ٣٤٧.
وقد ضعف الحديث لوجود الحجاج بن أرطاة ابن حزم في المحلى ٧/٣٧، وابن عبد البر في التمهيد ٢٠/١٤، وابن حجر في التلخيص الحبير ٢/٢٢٦، وقال في فتح الباري ٣/ ٥٩٧: " ولا يثبت في هذا الباب عن جابر شيء ".
و انظر ترجمة الحجاج بن أرطاة فيما يلي : تهذيب الكمال للمزي ٥/٤٢٠، ميزان الإعتدال للذهبي ٢/١٩٧، تهذيب التهذيب لابن حجر ٢/١٧٢.
١- قول أنس - رضي الله عنه - :" حضرت عند مناهضة حصن تُسْتَر(١)عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصلِّ إلا بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى - رضي الله عنه - ففتح لنا، وقال أنس : وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها "(٢).
قالوا : وصنيع الصحابة ذلك كان في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وقد اشتهر، ولم ينقل أنه أنكر عليهم، ولا أحد من الصحابة (٣).
٢ - أن جمهور علماء السير والمغازي يرون أن غزوة ذات الرقاع كانت قبل الخندق(٤)، وقد صلى النبي - ﷺ - فيها صلاة الخوف، ومع ذلك أخر الصلوات في غزوة الخندق عند اشتداد القتال، مما يدل على جواز ذلك(٥).
(١) تستر : بالضم ثم السكون وفتح التاء الأخرى وراء، أعظم مدينة بخوزستان اليوم، كما قال الحموي في معجم البلدان ٢/٢٩. وانظر : معجم ما استعجم للبكري ١/٣١٢.
(٢) أخرجه البخاري معلقاً في صلاة الخوف، باب الصلاة عند مناهضة العدو ولقاء العدو، ٢/١٥، ووصله ابن أبي شيبة في مصنفه، وابن سعد في الطبقات من طريق قتادة عنه، كما في تغليق التعليق لابن حجر ٢/٣٧٢، وفتح الباري له ٢/٤٣٥.
(٣) انظر : تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ٦٦١، ٢/٤٠٠.
(٤) انظر الخلاف في غزوة ذات الرقاع هل كانت قبل غزوة الخندق أو بعدها ؟ فيما يلي : السيرة النبوية لابن هشام ٣/٢١٤، زاد المعاد لابن القيم ٣/٢٥٠-٢٥٣، البداية والنهاية لابن كثير ٥/٥٥٩، الفصول في سيرة الرسول لابن كثير ص ١٥٨-١٦١، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/٤٠٠، فتح الباري لابن رجب ٦/٥٧، فتح الباري لابن حجر ٧/٤١٦-٤١٩، ٤٢٣-٤٢٤.
(٥) انظر : تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/٤٠٠.
(٢) أخرجه البخاري معلقاً في صلاة الخوف، باب الصلاة عند مناهضة العدو ولقاء العدو، ٢/١٥، ووصله ابن أبي شيبة في مصنفه، وابن سعد في الطبقات من طريق قتادة عنه، كما في تغليق التعليق لابن حجر ٢/٣٧٢، وفتح الباري له ٢/٤٣٥.
(٣) انظر : تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ٦٦١، ٢/٤٠٠.
(٤) انظر الخلاف في غزوة ذات الرقاع هل كانت قبل غزوة الخندق أو بعدها ؟ فيما يلي : السيرة النبوية لابن هشام ٣/٢١٤، زاد المعاد لابن القيم ٣/٢٥٠-٢٥٣، البداية والنهاية لابن كثير ٥/٥٥٩، الفصول في سيرة الرسول لابن كثير ص ١٥٨-١٦١، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/٤٠٠، فتح الباري لابن رجب ٦/٥٧، فتح الباري لابن حجر ٧/٤١٦-٤١٩، ٤٢٣-٤٢٤.
(٥) انظر : تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/٤٠٠.
وأما الوجه الثاني من أوجه الجمع ـ وهو أن الحديث بيان لغالب حال الأنبياء أنهم لا يورثون، وليس المقصود منه منع التوارث بين الأنبياء وورثتهم ـ ففيه بعد ؛ لمخالفته ظاهر الحديث الذي يدل على منع التوارث بين الأنبياء وورثتهم، وليس المقصود من الحديث بيان الغالب في حال الأنبياء أنهم لا يورثون ؛ لكونهم لم يتركوا شيئاً وراءهم، أو لغير ذلك من الاعتبارات، بدليل قوله في الحديث :" ما تركنا صدقة "، فهو يدل على أن الأنبياء قد يخلفون وراءهم تركة، تورث لولا النهي عن ذلك، واعتبار ما تركوه بموتهم من قبيل الصدقة.
وبهذا يندفع ما يتوهم من التعارض بين القرآن والسنة في هذه المسألة، ولله الحمد والمنة.
- - -
٣٧-٣- قال تعالى :﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [ النساء : ١١].
موهم التعارض من السنة :
وبهذا جمع ابن كثير قائلاً :" أي ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم لما أكلتم من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة... فأما الحديث الذي فيه :" لا تصحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي " فمحمول على الندب والاستحباب، والله أعلم "(١).
ومن خلال ما تقدم يتبين أنه لا تعارض بين الآية والحديث، ولله الحمد والمنة.
- - -
٥٣-٤- قال تعالى :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا... الآية ﴾ [المائدة : ٦ ].
موهم التعارض من السنة :
١- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - ﷺ - :" لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ "(٢).
٢- عن سويد بن النعمان(٣)
(١) تفسير القرآن العظيم ٣/٤١.
(٢) أخرجه البخاري في الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور، رقم (١٣٥) ١/٣٩، ومسلم في الطهارة، رقم (٢٢٥) ١/٢٠٤.
(٣) هو سويد بن النعمان بن مالك الأنصاري، صحابي، شهد بيعة الرضوان وما بعدها من المشاهد.
انظر : الاستيعاب لابن عبد البر ٢/٦٨٠، تقريب التهذيب لابن حجر ص ٢٦٠.
(٢) أخرجه البخاري في الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور، رقم (١٣٥) ١/٣٩، ومسلم في الطهارة، رقم (٢٢٥) ١/٢٠٤.
(٣) هو سويد بن النعمان بن مالك الأنصاري، صحابي، شهد بيعة الرضوان وما بعدها من المشاهد.
انظر : الاستيعاب لابن عبد البر ٢/٦٨٠، تقريب التهذيب لابن حجر ص ٢٦٠.
أحدهما : ضعيف الإسناد، وهي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - ﷺ - قال :" المسلم يكفيه اسمه، فإن نسي أن يسمي حين يذبح فليسم وليذكر اسم الله، ثم ليأكل "، وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال : يا رسول الله، أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي ؟، فقال النبي - ﷺ - :" اسم الله على كل مسلم "، وحديث الصلت السدوسي قال : قال رسول الله - ﷺ - :" ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله، أو لم يذكر، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله " فقد تقدم في تخريجها والحكم عليها أن حديث ابن عباس رضي الله عنهما ضعيف والصواب أنه موقوف، وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - حديث مجمع على ضعفه، وحديث الصلت السدوسي حديث مرسل ضعيف.
ومادام أن الأحاديث الثلاثة السابقة ما بين موقوف وضعيف ومرسل، فهي لا تقوى على معارضة الآية وما في معناها من الآيات والأحاديث الدالة على وجوب التسمية، وأنه لا يحل أكل ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح والصيد عمداً أو سهواً، فتبقى الآية وهذه الأحاديث سالمة عن المعارضة.
وقد رام بعض أهل العلم التوفيق والجمع بين هذه الأحاديث الثلاثة وبين قوله تعالى :﴿ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ ـ مع كون هذه الأحاديث لا تقاوم الآية ـ فذكروا في ذلك وجهين :
الوجه الأول : أن الآية تحمل على متروك التسمية عمداً، والأحاديث محمولة على من ترك التسمية ناسياً.
واستدلوا بقوله تعالى في الآية :﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾، وقالوا : إن الأكل مما نسيت التسمية عليه ليس بفسق.
" السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، لمهدي رزق الله أحمد، نشر مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ.
" سيرة النبي - ﷺ -، لعبد الملك بن هشام، تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
" شبهات وإشكالات حول بعض الأحاديث والآيات، إعداد دار الثبات للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٢هـ.
" شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لعبد الحي بن العماد الحنبلي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
" شرح ابن عقيل على ألفية بن مالك، لعبد الله بن عقيل العقيلي المصري، تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٥هـ.
" شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، لهبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي، تحقيق : أحمد الغامدي، دار طيبة، الرياض، الطبعة الخامسة، ١٤١٨هـ.
" شرح الأبي على صحيح مسلم، المسمى إكمال إكمال المعلم، لمحمد بن خليفة الوشتاني الأبي، تحقيق : محمد بن سالم هاشم، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٥هـ.
" شرح الرضي لكافية ابن الحاجب، لمحمد بن الحسن الإستراباذي المعروف بالرضي، تحقيق : حسن الحفظي ويحيى مصري، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٤هـ.
" شرح الزرقاني على موطأ مالك، لمحمد بن عبد العظيم الزرقاني، دار الفكر، بيروت، ١٣٥٥هـ.
" شرح السنة، لحسين بن مسعود البغوي، تحقيق : زهير الشاويش وشعيب الأرناؤوط، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٣هـ.
" شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي، تحقيق : يوسف بديوي، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة الثانية، ١٤١٣هـ.