وابن قتيبة(١)، والطحاوي(٢).
وقد اتخذ اهتمام العلماء وعنايتهم بموهم التعارض بين القرآن والسنة ثلاثة أشكال هي :
١- التنصيص والتصريح بإيهام التعارض بين الآية والحديث ودفع ذلك بأحد مسالك العلماء عند دفع التعارض، وذلك مثل صنيع ابن كثير عند تفسيره قوله تعالى :﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ [ البقرة : ٢٥٣ ] فقد قال :" فإن قيل : فما الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الثابت في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - ﷺ - قال : لا تفضلوني على الأنبياء... الحديث، فالجواب من وجوه ـ ثم ذكر خمسة أوجه في الجمع بين الآية والحديث ـ "(٣).
ومثل ذلك قول ابن الجوزي عند تفسيره قوله تعالى :﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾ [البقرة : ٢٣٩] فقد قال :" فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية وبين ما روى ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي - ﷺ - أنه صلى يوم الخندق الظهر والعصر والمغرب والعشاء بعد ما غاب الشفق ؟، فالجواب... ـ ثم نقل عن بعض أهل العلم أن فعل النبي - ﷺ - منسوخ ـ"(٤).

(١) انظر : تأويل مختلف الحديث ص١٨٢، ١٨٦، ١٨٧، ١٨٩، ٢٢٧، ٢٤٥، ٢٧٩، ٢٨١، ٢٩٣، ٢٩٥، ٣٥٨ ٣٦٩، ٣٧٣، ٣٩٣، ٤٢٧، ٤٣٩، ٤٤٥، وقد جعل من مقاصد تأليفه لهذا الكتاب رد دعوى وجود= =أحاديث تخالف القرآن فقال في ص ١٤٣ :" ذكر الأحاديث التي ادعوا ـ أي أصحاب الأهواء ـ عليها التناقض، والأحاديث التي تخالف عندهم كتاب الله تعالى، والأحاديث التي يدفعها النظر والعقل ".
(٢) انظر : شرح مشكل الآثار١/٣٠٩، ١/ ٣٩٩، ٢/١٤، ٢/ ١٨، ٣/ ٥٧، ٣/٢١١، ٤/٢٢٢، ٤/٢٩٦، ٨/ ٣٢٣، ٩/١١٠-١١٧، ٩/٢٦٤، ٩/٣٤٠-٣٥٨، ١٠/٣٠٥، ١٥/٤١٠، أحكام القرآن الكريم ١/٦٨، ١/٩٦، ٢/ ٥٤، ٢/٤٥٣، شرح معاني الآثار٢/٥٣، ٢/ ١٦٨-١٧٥، ٤/١٤٧، ٤/٢٠٤.
(٣) تفسيره ١/٦٧٤، ٦٧٥.
(٤) زاد المسير ١/٢٨٤، ٢٨٥.

وإذا تبين ذلك فإن قوله تعالى :﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ... الآية ﴾ ونظائرها من الآيات لا تدل على أن النبي - ﷺ - أرسل إلى العرب خاصة ؛ لأن تخصيص العرب بالذكر لا ينفي من عداهم، ولكن المنة عليهم أبلغ وآكد، ونظير ذلك قوله تعالى :﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ [ الزحرف: ٤٤]، وهو ذكر لغيرهم يتذكرون به(١).
قال الرازي :" وفي هذه الآية مباحث، أحدها : احتجاج أهل الكتاب بها، قالوا : قوله :﴿ بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ ﴾ يدل على أنه عليه السلام كان رسولاً إلى الأميين وهم العرب خاصة، غير أنه ضعيف، فإنه لا يلزم من تخصيص الشيء بالذكر نفي ما عداه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ [ العنكبوت : ٤٨]، أنه لا يفهم منه أنه يخطه بشماله ؛ ولأنه لو كان رسولاً إلى العرب خاصة كان قوله تعالى :﴿ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ [ سبأ : ٢٨] لا يناسب ذلك، ولا مجال لهذا لما اتفقوا على ذلك، وهو صدق الرسالة المخصوصة، فيكون قوله تعالى :﴿ كَافَّةً لِلنَّاسِ ﴾ دليلاً على أنه عليه الصلاة والسلام كان رسولاً إلى الكل "(٢).
ويمكن أن يقال : إن الله ذكر في هذه الآيات العرب ؛ لأنهم قوم النبي - ﷺ -، وقد كان موجوداً بينهم أول ما بعث، وأما المبعوث إليهم فلم تتعرض له هذه الآيات لا نفياً ولا إثباتاً، وإنما جاء إثباته في آيات أخرى، وهي ما تقدم ذكره من الآيات الدالة على عموم بعثته ورسالته إلى جميع الخلق(٣).
(١) انظر : تفسير القرآن العظيم لابن كثير٨/ ١١٥.
(٢) التفسير الكبير ١٠/٥٣٨. وانظر : محاسن التأويل ٩/٢٢٨.
(٣) انظر : روح المعاني للألوسي ٢٨/٩٤.

قال الشافعي :" إن الإسلام نزل، وبعض العرب يطلب بعضاً بدماء وجراح، فنزل فيهم ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى... ﴾ [البقرة : ١٧٨]، قال : وكان بدء ذلك في حيين من العرب اقتتلوا قبل الإسلام بقليل، وكان لأحد الحيين فضلٌ على الآخر، فأقسموا بالله ليقتلن بالأنثى الذكر، وبالعبد منهم الحر، فلما نزلت هذه الآية رضوا وسلموا.
قال الشافعي : وما أشبه ما قالوا من هذا بما قالوا ؛ لأن الله عز وجل إنما ألزم كل مذنب ذنبه، ولم يجعل جرم أحد على غيره، فقال :﴿ الْحُرُّ بِالْحُرِّ ﴾ إذا كان ـ والله أعلم ـ قاتلاً له، ﴿ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ﴾ إذا كان قاتلاً له، وَالْأُنْثَى ﴿ بِالْأُنْثَى ﴾ إذا كانت قاتلة لها، لا أن يقتل بأحدٍ ممن لم يقتله ؛ لفضل المقتول على القاتل...
وما وصفت من أن لم أعلم مخالفاً في أن يقتل الرجل بالمرأة دليل، أن لو كانت هذه الآية غير خاصة، كما قال من وصفت قوله من أهل التفسير، لم يقتل ذكر بأنثى "(١).
وقال ابن جرير :" كان بينا بذلك أنه لم يرد بقوله تعالى: ﴿ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى... ﴾ [البقرة : ١٧٨]، أن لا يقاد العبد بالحر، ولا أن لا تقتل الأنثى بالذكر، ولا الذكر بالأنثى، وإذا كان كذلك، كان بينا ـ على ما ذكرناه ـ أن الآية معني بها أحد المعنيين الآخرين ؛ إما ما قلنا من أن لا يعدى بالقصاص إلى غير القاتل والجاني، فيؤخذ بالأنثى الذكر وبالعبد الحر، وإما القول الآخر، وهو أن تكون الآية نزلت في قوم بأعيانهم خاصة، أمر النبي - ﷺ - أن يجعل ديات قتلاهم قصاصاً بعضها من بعض "(٢).
(١) أحكام القرآن ١/٢٧٠-٢٧٢.
(٢) جامع البيان ٣/١٠١.

اختلف المفسرون في المراد بالإتمام في قوله تعالى :﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ... الآية ﴾ على أقوال(١)، ترجع في جملتها إلى قولين هما :
القول الأول: أن المراد بالإتمام الإكمال بعد الشروع في الحج والعمرة، وهذا القول مروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - (٢)، والشعبي، وابن زيد(٣)، واختاره الطبري(٤)، والجصاص(٥)، والهراسي(٦)، والزمخشري(٧)، وابن العربي(٨)، وابن الجوزي(٩)، وأبو العباس القرطبي(١٠)، والنسفي(١١)، وابن جزي(١٢)،
(١) ذكر هذه الأقوال ونسبها إلى أصحابها ابن جرير في جامع البيان ٣/٣٢٧- ٣٣٧، وانظر : النكت والعيون للماوردي ١/٢٥٤، معالم التنزيل للبغوي ص ١٠٢، المحرر الوجيز لابن عطية ١/٢٦٥، زاد المسير لابن الجوزي ١/٢٠٤، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/٥٣٥، ثم أرجع ابن جرير هذه الأقوال إلى قولين في الجملة في ٣/٣٣٨ فقال :" وذلك أن الآية محتملة للمعنيين اللذين وصفنا، من أن يكون أمراً من الله عز وجل بإقامتهما بتمامهما ابتداءً، وإيجاباً منه على العباد فرضهما، وأن يكون أمراً منه بإتمامهما بعد الدخول فيهما، وبعد إيجاب موجبهما على نفسه ".
(٢) أخرجه عنه ابن جرير في جامع البيان ٣/٣٢٨، وانظر : تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/٥٣٥.
(٣) أخرجه عنهما ابن جرير في جامع البيان ٣/٣٣١، ٣٣٢.
(٤) انظر : جامع البيان ٣/٣٣٨، ٣٤١.
(٥) انظر : أحكام القرآن ١/٣٢٩.
(٦) انظر : أحكام القرآن ١/٨٩.
(٧) انظر : الكشاف ١/٣٩٩.
(٨) انظر : أحكام القرآن ١/١٦٩.
(٩) انظر : نواسخ القرآن ١/٢٦٢.
(١٠) انظر : المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٣/٤٦٢.
(١١) انظر : مدارك التنزيل ص ١٠٣.
(١٢) انظر : التسهيل لعلوم التنزيل ١/١١٣............. =
= وابن جزي هو : أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد بن جزي الكلبي المالكي الغرناطي، كان فقيهاً حافظاً بارعاً في التفسير، مشاركاً في فنون متعددة، له مصنفات منها : التسهيل لعلوم التنزيل وأصول القراءات الستة غير نافع، والمختصر البارع في قراءة نافع، توفي سنة (٧٤١هـ).
انظر : الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر ١/٢٩٣، طبقات المفسرين للداودي ص٣٥٧.

٢- ما تقدم في حديث جابر - رضي الله عنه - أن النبي - ﷺ - قال لعمر - رضي الله عنه - :" وأنا والله ما صليتها بعد " قالوا : فكأنَّ عمر - رضي الله عنه - ذكّر النبي - ﷺ - بصلاة العصر.
ثانياً : مسلك النسخ :
ذهب كثير من أهل العلم إلى أن فعل النبي - ﷺ -، وتأخيره بعض الصلوات عن وقتها في غزوة الخندق، منسوخ بمشروعية صلاة الخوف الواردة في القرآن والسنة، مستدلين بما تقدم في حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - وقوله : وذلكم قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف :﴿ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾ [البقرة : ٢٣٩].
فقالوا : إن صلاة الخوف لم تشرع إلا بعد غزوة الخندق، فأول صلاة صلاها النبي - ﷺ - كانت في غزوة ذات الرقاع، وهي بعد غزوة الخندق.
والقول بالنسخ قال به أبو بكر بن الأثرم(١)، والشافعي(٢) وأتباعه(٣)، والطحاوي(٤)، والحازمي(٥)، والقاضي عياض (٦)، وابن الجوزي(٧)، والرازي(٨)، وأبو حامد الرازي(٩)، وأبو العباس القرطبي(١٠)، والنووي(١١)، ورجحه ابن قدامة(١٢)، والكرماني(١٣)،
(١) ذكره عنه ابن الجوزي في زاد المسير ١/٢٨٥.
(٢) انظر : الرسالة ص ١٨٤، ٢٤٢، ٢٤٣.
(٣) انظر : فتح الباري لابن حجر ٢/٤٣٦.
(٤) انظر : أحكام القرآن الكريم١/٢٢٩، شرح معاني الآثار ١/٣٢١.
(٥) انظر : الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار ص ٣٠٣-٣٠٤.
(٦) انظر : إكمال المعلم بفوائد مسلم ٣/٢٢٨.
(٧) انظر : زاد المسير ١/٢٨٥.
(٨) انظر : التفسير الكبير ٢/٤٩٠.
(٩) انظر : الناسخ والمنسوخ في الأحاديث ص ٥٣.
(١٠) انظر : المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٢/٤٧٥.
(١١) انظر : المجموع شرح المهذب ٤/٤٣٣.
(١٢) انظر : المغني ٣/٢٩٨.
(١٣) انظر : شرحه لصحيح البخاري ٦/٥٣.
والكرماني هو : محمد بن يوسف بن علي بن عبد الكريم الكرماني الشافعي، نزل بغداد، ونشر العلم فيها ثلاثين سنة، وكان علامة بالحديث، من مؤلفاته الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري، توفي سنة (٧٨٦هـ). انظر : شذرات الذهب لابن العماد ٤/٢٠٦، الأعلام للزركلي ٧/١٥٣.

استقر إجماع العلماء على منع الوصية بأكثر من الثلث، لمن كان له وارث(١)، فقال ابن عبد البر :" وأجمع علماء المسلمين على أنه لا يجوز لأحدٍ أن يوصي بأكثر من ثلثه، إذا ترك ورثة من بنين، أو عصبة " (٢).
وإذا تمهد هذا فقد سلك أهل العلم ـ في دفع ما يتوهم من التعارض بين قوله تعالى :﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ... الآية ﴾ والحديث المتقدم ـ مسلكي الجمع والنسخ، وذلك كما يلي :
أولاً : مسلك الجمع بين الآية والحديث، وإليه ذهب جماعة من أهل العلم، ولكنهم اختلفوا في الجمع على وجوه، منها ما يلي :
الوجه الأول : أن قوله تعالى :﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ مطلق يدل على جواز الوصية بقليل المال وكثيره، وهذا الإطلاق قيدته السنة، بعدم جواز الوصية بأكثر من الثلث، بدليل ما جاء في حديث سعد - رضي الله عنه - السابق.
وإلى هذا الوجه من الجمع ذهب الجصاص(٣)، وابن عبد البر(٤)، والقاضي عياض(٥)، والرازي(٦)، والنووي(٧)، وابن حجر(٨)، وهو الذي يفهم من كلام الكيا الهراسي(٩)، وأبي حيان(١٠).
(١) انظر : الإجماع لابن المنذر ص ٧٣، جامع البيان للطبري ٦/٤٦٩، مراتب الإجماع لابن حزم ص ١١١، إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض ٥/٣٦٤، المحرر الوجيز لابن عطية ٢/١٧، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي ٤/٥٤٥، شرح النووي لصحيح مسلم ١١/٧٧، فتح الباري لابن حجر ٥/ ٣٦٩، سبل السلام للصنعاني ٣/١٦٤، نيل الأوطار للشوكاني ٦/١٤٩.
(٢) التمهيد ٨/٣٧٩.
(٣) انظر : أحكام القرآن ٣/٢٩، ٣٤.
(٤) انظر : التمهيد ٨/٣٨٠، ٣٨١.
(٥) انظر : إكمال المعلم بفوائد مسلم ٥/٣٦٨.
(٦) انظر : التفسير الكبير ٣/٥٢٣-٥٢٤.
(٧) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم ١١/٨٠.
(٨) انظر : فتح الباري ٥/٣٦٨.
(٩) انظر : أحكام القرآن ١/٣٧٠.
(١٠) انظر : البحر المحيط ٣/٢٥٨.

دفع موهم التعارض :
حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن من تطهر للصلاة، له أن يصلي ما شاء من الصلوات بطهارته، إلا أن يحدث حدثاً ينقض طهارته(١).
هذا وقد سلك أهل العلم في دفع ما قد يتوهم من التعارض بين قوله تعالى :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ... الآية ﴾ وبين الأحاديث التي تدل على إيجاب الوضوء على المحدث فقط، مسلكي الجمع والنسخ، وذلك كما يلي :
أولاً : مسلك الجمع بين الآية والأحاديث، وقد اختلفت أنظار أهل العلم في الجمع على وجوه، منها ما يلي :
الوجه الأول : أن الآية عامة بإيجاب الوضوء على جميع المؤمنين، على الصفة المشروعة إذا قاموا إلى الصلاة، سواء أكانوا محدثين أم غير محدثين ؛ لأن لفظ ﴿ ْïد%©!$# ﴾ في الآية اسم موصول، والموصول من صيغ العموم، فيشمل المؤمنين المحدثين وغير المحدثين، والأحاديث مخصصة لذلك العموم، بإيجاب الوضوء على المحدثين فقط، ولا تعارض بين عام وخاص، بل يحمل العام على الخاص.
(١) انظر : الأوسط لابن المنذر ١/١٠٩، ١١٠، أحكام القرآن للجصاص ٣/٣٣١، التمهيد لابن عبد البر ١٨/٢٣٨، والاستذكار له ١/١٥٥، إكمال المعلم للقاضي عياض ٢/١١، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي ١/٥٣٥، المغني لابن قدامة ١/١٩٧، شرح النووي لصحيح مسلم ٣/١٧٧، أنوار التنزيل للبيضاوي ١/٤٢١،
وقد نقل الرازي في التفسير الكبير ٤/٢٩٧، والخازن في لباب التأويل ٢/١٥، و أبو حيان في البحر المحيط ٣/٦٠٦، القول بأن داود الظاهري يوجب الوضوء لكل صلاة، فيشكل هذا ـ إن صح عنه ـ على حكاية الإجماع، وقد يقال: إن الإجماع منعقد عند من لا يرى خلاف الظاهرية خلافاً معتبراً، والله أعلم.

أولاً : مسلك الجمع بين الآية والحديث، وقد اختلفت أنظار أهل العلم في الجمع على وجوه، منها ما يلي :
الوجه الأول : أن الآية محمولة على أن المراد بها ما ذبح لغير الله، أو ذكر عليه غير اسمه، أو يراد بها الميتة، وأما ما ذبحه المسلم بدون ذكر التسمية، فهو غير داخل فيما نهت عنه الآية، وبهذا تكون موافقة للأحاديث في عدم وجوب التسمية، وأنه يحل أكل متروك التسمية عمداً وسهواً.
وإلى هذا ذهب الشافعي وأصحابه(١)، ونقل عن الإمام أحمد(٢)، واستحسنه أبو العباس القرطبي من المالكية(٣)، والقاسمي(٤).
واستدلوا على ذلك بأدلة منها ما يلي:
١- قوله تعالى في الآية :﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ قالوا : والفسق في ذكر غير اسم الله كما قال في آخر السورة :﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ﴾ ـ إلى قوله ـ :﴿ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ [ الأنعام : ١٤٥]، أما أكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية فإنه لا يعد فسقاً.
(١) انظر : التمهيد لابن عبد البر٢٢/٣٠٠، أحكام القرآن للهراسي ٣/١٢٤، معالم التنزيل للبغوي ص ٤٤٠، المعلم بفوائد مسلم للمازري ٣/٤٣، التفسير الكبير للرازي ٥/١٣١، شرح النووي لصحيح مسلم ١٣/٧٤، والمجموع له ٨/٤١٢، الكاشف عن حقائق السنن للطيبي ٩/٢٨٠٥، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/٣٢٥، شرح الكرماني لصحيح البخاري ١٠/٧٨، فتح القدير للشوكاني ٢/١٥٧.
(٢) انظر : المغني لابن قدامة ١٣/٢٩٠، اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ٢/٥٥.
(٣) انظر : المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٥/٢٠٧.
(٤) انظر : محاسن التأويل ٤/٤٧٨، ٤٧٩.

" شرح شواهد الإيضاح، لعبد الله بن بري بن عبد الجبار بن بري، تحقيق : عبيد درويش، نشر مجمع اللغة العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٠٥هـ.
" شرح مشكل الآثار، لأحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، تحقيق : شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٥هـ.
" شرح معاني الآثار، لأحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، تحقيق : محمد زهري النجار، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٧هـ.
" الشريعة، لمحمد بن الحسين الآجري، تحقيق : عبد الله الدميجي، دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٠هـ.
" شعب الإيمان، لأحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق : محمد زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٠هـ.
" الشعر والشعراء، لعبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، تحقيق : أحمد محمد شاكر، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثانية، ١٣٧٧هـ.
" الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض بن موسى اليحصبي، دار الفكر، بيروت، ١٤٠١هـ.
" شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لمحمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٧هـ.
" الشفاعة، لمقبل بن هادي الوادعي، دار الآثار، صنعاء، الطبعة الرابعة، ١٤٢٣هـ.
" الصارم المسلول على شاتم الرسول - ﷺ -، لشيخ الإسلام بن تيمية، تحقيق : محمد الحلواني و محمد شودري، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ.
" الصحاح، لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق : أحمد عطار، دار العلم للملايين، بيروت، ١٣٩٩هـ.
" صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، لمحمد بن حبان البستي، تحقيق : شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.
" صحيح ابن خزيمة، لمحمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري، تحقيق : محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٣٩٠هـ.


الصفحة التالية
Icon