وكان أولئك القضاة لا يولون إلا أصحابهم ومن كان على مذهبهم، فسبب ذلك انتشار المذهب الفقهي وإلى جانبه القراءة، وكان ذلك مما حمل الناس على طلب ما يرجون بلوغ أغراضهم به، أي طلب علوم المذهب والقراءة على حسب ما ارتضته السلطة القضائية، ليبلغوا من ذلك ما يؤهلهم للاستفادة من تلك الوظائف، ثم نشأ الناس على ما انتشر وذاع، وأمسى الأمر ظاهرة سارية جارية، لا تحتاج إلى تدخل أو توجيه(١). وذلك ما نلاحظه تماما منذ العقود الأخيرة من المائة الثانية، سواء في الأندلس أم افريقية، ففي الوقت الذي كان فيه رواد القراءة والمذهب المدنيين بالأندلس يعملون على تأصيلهما بالبلاد وتوجيه أنظار الحكام إلى الأخذ بهما ورجحانهما على غيرهما، كان أمثالهم من علماء افريقية والقيروان في سعي حثيث أيضا لمثل هذه الغاية، ولقد تحقق من ذلك النصيب الأكبر وربما في وقت واحد، على يد يحيى بن يحيى الليثي بالنسبة للأندلس، وعلى يد سحنون بن سعيد التنوخي بالنسبة لافريقية والقيروان.
ولقد كان يحيى من آخر الرواة عن نافع ـ كما سيأتي ـ، إلا أنه فيما يبدو لم يكن متفرغا للقراءة، ولا ذكر له عرض عليه، وكان في الوقت نفسه من متأخري أصحاب مالك ورواة موطئه، ولقد قيل عنه انه: "لم يعط أحد من أهل الأندلس منذ دخلها الإسلام ما أعطي يحيى من الحظوة وعظم القدر وجلالة الذكر"(٢).

(١) - علل بعض الدارسين لضعف المذهب الحنبلي في الأمصار الإسلامية في القديم بالقياس إلى باقي المذاهب الثلاثة بأسباب منها أنه لم يكن منه قضاة وذكر أن القضاة إنما ينشرون المذهب الذي يتبعونه، ومثل لأثر القضاة بأبي يوسف في مذهب أبي حنيفة وسحنون في المغرب والحكم الأموي في الأندلس. (تاريخ المذاهب الإسلامية) للشيخ محمد أبو زهرة ٢/٣٤٤.
(٢) - نفح الطيب ٢/٢١٩.

وهذا الشرح يعتبر أسير شروحها وأوسعها مادة من حيث الغنى لا من حيث الحجم، فربما كان من الشروح ما هو أضخم منه، ويشتغل حاليا في تحقيقه بعض طلبة الدراسات الإسلامية(١). وقد أثنى عليه الذهبي بقوله :"شرح كبير للشاطبية كامل في معناه"(٢)، وقال فيه أبو العباس القسطلاني "شرح عظيم لم يصنف مثله"،(٣) وقال صاحب الكشف: "وله ـ الحرز ـ شروح كثيرة أحسنها وأدقها شرح الشيخ برهان الدين إبراهيم بن عمر الجعبري (ت ٧٣٢) وهو شرح مفيد مشهور.. فرغ من تأليفه في سلخ شعبان سنة ٦٩١"(٤)، ونسخه الخطية كثيرة لا تحصى في الخزائن الرسمية وغيرها، وقد وفقت منها على جملة(٥)، وأوله قوله: "الحمد لله مبدئ الأمم، ومنشئ الرمم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، منزه عن الأضداد والأنداد، فالق الإصباح، وخالق الأشباح، ورازق الأرواح... إلى أن قال متحدثا عن جلوسه للإقراء :"ولما أهلني الله للإقراء بحرم إبراهيم ـ عليه السلام ـ(٦)
(١) - هو الأخ أحمد اليزيدي في أطروحة دكتواره الدولة في العلوم الإسلامية من آداب الرباط.
(٢) -معرفة القراء ٢/٥٩١، طبقة ١٨.
(٣) - لطائف الإشارات لفنون القراءات ١/٨٩.
(٤) - كشف الظنون ١/٦٤٦.
(٥) -منه نسختان في خ ع برقم ١٠٠٧ د- ١١٠٧ق – وبالحسنية برقم ٣٦٣-٥٠٣ وبالقرويين برقم ١٠٤٤ وبالناصرية بتمكروت برقم ٩٥٥٩، وذكر في (افهرس الشامل للتراث ١/٢٥٥ أرقام ٩٨ نسخة موزعة على مكتبات العالم).
(٦) - كان شيخ مدينة الخليل بفلسطين كما في معرفة القراء للذهبي ٢/٥٩١ طبعة ١٨..


الصفحة التالية
Icon