فلا بدع في أن ينعكس الموقف الشامي إذن على الجهات المغربية بحكم التبعية السياسية وهيمنة العناصر الشامية في الجملة في زمن بني أمية سواء في معسكرات الجند أو على صعيد البعثات والهيئات التعليمية، فالمفروض أن يكون من أهداف البعثة العمرية البارزة في هذا المجال توحيد القراءة، وتوجيه جمهور القراء إلى حفظ القراءة العامة التي عليها جمهور الأمة في الأمصار الإسلامية في المشرق، وبهذا يمكن اعتبار عمل هذه البعثة في المنطقة الجسر القوي الذي يصل بين الطور الأول الذي سميناه طور القراءة الفردية، وبين الطور الثاني طور الاختيار بين القراءات في ضوء الخط المرسوم في المصحف الإمام. ولعل من تمام الإفادة أن نتعرف بنوع من التفضيل على أفراد البعثة العمرية ومكانتهم في وضع اللبنات الأولى في صرح المدرسة القرآنية في الغرب الإسلامي، ورسم المسار الذي سارت فيه القراءة في مختلف الجهات المغربية نحو اختيار قراءة جامعة يلتقي عليها جمهور القراء في تلاوة كتاب الله. وسيكون هذا التعريف بنشاطهم في ذلك مدخلا للطور الثاني من الأطوار الثلاثة التي عاصرت المناطق المغربية رجالها واستفادت من مدارسها المختلفة، وكان لها أثرها في سيادة هذه القراءة أو تلك مما غلب على بعض جهاتها في مختلف الفترات.
ب طور الاختيار بين القراءات والروايات في ضوء المصحف الإمام وأثر
البعثة العمرية.
زود أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز المناطق المغربية بعشرة من خيار فقهاء التابعين لتفقيه أهلها(١)وإقرائهم القرآن(٢)، وهؤلاء أسماء رجال البعثة:

(١) - رياض النفوس ١/١٠١ – وكذا ١/١١٦- ١/١٠٢.
(٢) - حسن المحاضرة للسيوطي ١/٢٩٨.

فالرجل إذن خبير بالفن ومن أهل الجهة ـ كما يقال ـ فلا يتهم في مقاله بالخوض فيما لا يعلم، ومهما يكن رأي بعض المتأخرين من علماء القراءة فيما ذهب إليه(١) فإنه مع ذلك قد نبه في زمنه على خطورة الاستمرار على ما كان سيؤول إليه الحال من اتساع الشقة في مسائل الخلاف، ولهذا نرى من جهتنا إنصافا له أن وراء اختياره لما اختاره من القراءات إلا ما استثناه منها، ودعوته إلى التقليل من الروايات والطرق والوجوه اشعارا بمقدار حرصه على الانضباط والاجتماع إلى أمر جامع في أصول القراءة والأداء يقتصر فيه على السائر المشهور من جهة، وعلى ما هو أسلس في المنطق وأيسر من جهة أخرى.
(١) - حذر الشيخ أبوعبد الله بن غازي وغيره من الأخذ بمذهب ابن العربي في الموضوع، فقال في "إرشاد اللبيب" ٢٨٣: "لعلك تقف على كلام القاضي أبي بكر بن العربي في كتاب القواصم والعواصم" (كذا) حيث طعن في بعض المقارئ السبعة، فأعطه الأذن الصماء، فإن يد الله مع الجماعة، وقد حدثنا الأستاذ أبو عبد الله الصغير عن شيخه الأستاذ أبي العباس بن أبي موسى الفيلالي أنه كان يحذر من ذلك كثيرا".


الصفحة التالية
Icon