اختصم الملأ الأعلى في العلم وهو الدرجات والكفارات ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود لآدم ثم خصامه ثانيا في شأن بنيه حلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم فليتأمل اللبيب الفطن هل يليق بهذه السورة غير [ص] وسورة [ق] غير حرفها وهذه قطرة من بحر من بعض أسرار هذه الحروف والله أعلم. انتهى كلامه. وسيأتى تفصيل ذلك إن شاء الله فى فاتحة سورة [الأعراف].
قوله تعالى(ذلك الكتاب)
سؤال : لقائل أن يقول : المشار إليه ها هنا حاضر، ذلك اسم مبهم يشار به إلى البعيد ؟
قال الفخر الرازي - رحمه لله - [حـ٢ ص ٢٥٩ : ٢٦٠ ].
والجواب من وجهين : الأول : لا نسلم أن المشار إليه حاضر وبيانه من وجوه أحدهما : ما قاله الأصم وهو أن الله تعالي أنزل الكتاب بعضه بعد بعض فنزل قبل سورة البقرة سور كثيرة، وهي كل ما نزل بمكة، فقوله " ذلك " إشارة إلى تلك السور التي نزلت قبل سورة البقرة وقد يسمى بعض القرآن قرآناً قال الله تعالي " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له " ﴿الأعراف : ٢٠٤﴾ وقال حاكيا عن الجن " إنا سمعنا قرآناً عجباً} ﴿الجن : ١﴾ وقوله إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسي " ﴿الأحقاف : ٣٠﴾ وهم ما سمعوا إلا بعضه وهو الذي كان قد نزل إلى ذلك الوقت ومنها أنه وقعت الإشارة بذلك إلى " ألم " بعد ما سبق التكلم به وانقضى والمنقضي فى حكم المتباعد.
ومنها : أنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع فى حد البعد كما تقول لصاحبك وقد اعطيته شيئاً : احتفظ بذلك.
ومنها أن القرآن لما اشتمل على حكم عظيمة وعلوم كثيرة يتعسر إطلاع القوة البشرية عليها بأسرها والقرآن وإن كان حاضراً نظراً إلى صورته لكنه غائب نظراً إلى أسراره وحقائقه فجاز أن يشار إليه كما يشار إلى البعيد وأما الوجه الثاني فهو : سلمنا أن المشار إليه حاضر لكن لا نسلم أن لفظة ذلك لا يشار بها إلا إلى البعيد.


الصفحة التالية
Icon