الله عز وجل التنبيه على الاختصاص المتقين بنبيل ما لا يناله أحد على طرق شتى وهي ذكر اسم الإشارة وتكريره وتعريف المفلحين وتوسيط الفصل بينه وبين أولئك ببصرك مراتبهم ويرغبك في طلب ما طلبوه وينشطك لتقديم ما قدموه ويثبطك عن الطمع الفارغ والرجاء الكاذب والتمني على الله ما لا تقتضيه حكمته ولم تسبق به كلمته. اللهم زينا بلباس
التقوى واحشرنا في زمرة من صدرت بذكرهم سورة البقرة.
والمفلح : الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه (١). أهـ
وقد وصفهم بأنهم على هدى من ربهم فدل ذلك على أن تلبسهم بهذه الصفات الكريمة تلبسهم بلباس الهداية من الله سبحانه وتعالي، فهم إنما صاروا متقين أولى هذه الصفات بهداية منه تعالي ثم وصف الكتاب بأنه هدي لهؤلاء المتقين بقوله تعالي :" ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين " فعلمنا بذلك : أن الهداية غير الهداية، وأن هؤلاء وهم متقون محفوفون بهدايتين هداية أول : صاروا متقين، وهداية ثانية أكرمهم الله سبحانه وتعالي بها بعد التقوى وبذلك صحت المقابلة بين المتقين وبين الكفار والمنافقين، فإنه سبحانه يجعلهم في وصفهم بين ضلالين وعمائين ضلال أول هو الموجب لأ وصفاهم الخبيثة من الكفر والنفاق وضلال ثان يتأكد به ضلالهم الأول ويتصفون به يعد تحقق الكفر والنفاق كما يقوله تعالي في حق الكفار :" ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة " البقرة : ٧} فنسب الختم إلى نفسه تعالي والغشاوة إلى أنفسهم وكما يقول في حق المنافقين :" في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً " [البقرة : ١٠] فنسب المرض الأول إليهم والمرض الثاني إلى نفسه على حد ما يستفاد من قوله تعالى :" يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين " [البقرة : ٢٦] وقوله تعالي :" فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم "[الصف : ٥]