وبالجملة المتقون واقعون بين هدايتين كما أن الكفار والمنافقين واقعون بين ضلالين.
ثم إن الهداية الثانية لما كانت بالقرآن فالهداية الأولى قبل القرآن وبسبب سلامة الفطرة (١). أهـ
" إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون "
معني الكفر مأخوذ من قوله كفر إذا غطي وستر ومنه قول الشاعر لبيد بن ربيعة : في ليلة كفر النجوم غمامها - أي سترها ومنها سمي الليل كافراً، لأنه يغطي كل شيء بسواده ومنه قيل للزراع كفار لأنهم يغطون الحب، وكفر في الدين معناه غطي قلبه بالرين عن الإيمان أو غطي الحق بأقواله وأفعاله.
واختلف فيمن نزلت هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها
فقال قوم :" هي فيمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن أراد الله تعالى أن يعلم أن في الناس من هذه حالة دون أن يعين أحد، وقيل نزلت في حيي بن أخطب وأبي ياسر وابن الأشرف ونظرائهم
وقيل نزلت في قادة الأحزاب وهم أهل القليب ببدر وقد خطأ ابن عطية هذا القول الأخير، لأن قادة الأحزاب قد أسلم منهم كثير ورجح القول الأول (٢). أهـ
وقال ابن الجوزى :" قال شيخنا على بن عبيد الله : هذه الآية وردت بلفظ العموم والمراد بها الخصوص لأنها آذنت بأن الكافر حين أنذرناه لا يؤمن ومن آمن كثير من الكفار عند إنذارهم ولو كانت على ظاهرها في العموم لكان خبر الله لهم خلاف مخبره ولذلك وجب نقلها إلى الخصوص (٣). أهـ
سؤال : إن قال قائل : إذا علم الله تعالي بأنهم لا يؤمنون وكانوا قادرين على الإيمان عندكم فما أنكرتم أن يكونوا قادرين على إبطال علم الله بأنهم لا يؤمنون.

(١) - الميزان حـ١ - صـ٤٤
(٢) - المحرر الوجيز حـ١ - صـ٨٧ - بتصرف يسير
(٣) - زاد المسير حـ١ - صـ٢٧


الصفحة التالية
Icon