فذهاب الله بذلك النور هو انقطاع المعية التي خص بها أولياءه، فقطعها بينه وبين المنافقين : فلم يبق عندهم بعد ذهاب نورهم ولا معهم، فليس لهم نصيب من قوله :(التوبة : ٤٠) (لا تحزن إن الله معنا) ولا من (الشعراء : ٦٣) (كلا، إن معي ربي سيهدين) وتأمل قوله تعالى (أضاءت ما حوله) كيف جعل ضوأها خارجاً عنه منفصلاً ؟ ولو اتصل ضوءها به ولابسه لم يذهب، ولكنه كان ضوء مجاورة، وملابسة ومخالطة. وكان الضوء عارضاً والظلمة أصلية. فرجع الضوء إلى معدنه وبقيت الظلمة في معدنها. فرجع كل منه إلى أصله اللائق به، حجة من الله تعالى قائمة. وحكمة بالغة، تعرف بها إلى أولي الألباب من عباده.
وتأمل قوله (ذهب الله بنورهم) ولم يقل بنارهم. ليطابق أول الآية. فإن النار فيها إشراق وإحراق. فذهب بما فيها من الإشراق – وهو النور – وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق، وهو النار.
وتأمل كيف قال (بنورهم) ولم يقل بضوئهم، مع قوله (فلما أضاءت ما حوله) لأن الضوء هنا زيادة في النور. فل وقال : ذهب الله بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة فقط، دون الأصل فلما كان النور أصل الضوء كان الذهاب به ذهاباً بالشيء وزيادته.
وأيضاً فإنه أبلغ في النفي عنهم، وأنهم من أهل الظلمات، الذين لا نور لهم.
وأيضاً فإن الله تعالى سمى كتابه نوراً، ورسوله نوراً، ودينه نوراً ومن أسمائه النور، والصلاة نور، فذهابه سبحانه بنورهم : ذهاب بهذا كله.