وتأمل مطابقة هذا المثل لما تقدمه من قوله (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين) كيف طابق بين هذه التجارة الخاسرة التي تضمنت حصول الضلالة والرضى بها، وبذل الهدى في مقابلتها، وحصول الظلمات التي هي الضلالة والرضى بها، بدلاً عن النور الذي هو الهدى والنور، فبذلوا الهدى والنور، وتعوضوا عنه بالظلمة والضلالة، فيالها من تجارة ما أخسرها ! وصفقة ما أشد غبنها ! (١) أهـ
وقد اشتمل هذان المثلان على حكم عظيمة.
منها : أن المستضيئ بالنار مستضيئ بنور من جهة غيره، لا من قبل نفسه. فإذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة. وهكذا المنافق، لما أقر بلسانه من غير اعتقاد ومحبة بقلبه، وتصديق جازم. كان ما معه من النور كالمستعار.
ومنها : أن ضياء النار يحتاج دوامها إلى مادة تحمله، وتلك المادة للضياء بمنزلة غذاء الحيوان فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع والعمل الصالح، يقوم بها ويدوم بدوامها فإذا لم توجد مادة الإيمان طفئ كما تطفأ النار بفراغ مادتها.
ومنها : أن الظلمة نوعان، ظلمة مستمرة لم يتقدمها نور، وظلمة حادثة بعد النور. وهي أشد الظلمتين وأشقهما على من كانت حظه. فظلمة المنافق ظلمة بعد إضاءة، فمثلت حاله بحال المستوقد للنار، الذي حصل في الظلمة بعد الضوء، وأما الكافر فهو في الظلمات لم يخرج منها قط.