فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزاً لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف، مضمناً أصح المعاني، من توحيد الله تعالى وتنزيهه في صفاته، ودعاء إلى طاعته وبيان لطريق عبادته في تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساويها، واضعاً كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه، ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق به منه، مودعاً أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم، منبئاً عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الماضية من الزمان، جامعاً في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أؤكد للزوم ما دعا إليه، وإنباءً عن وجوب ما أمر به ونهي عنه.
ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور، والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق، أمر تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرتهم، فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله، ومناقضيه في شكله، ثم صار المعاندون له يقولون مرة : إنه شعر لما رأوه منظوماً، ومرة إنه سحر لما رأوه معجوزاً عنه، غير مقدور عليه. وقد كانوا يجدون له وقعاً في القلب وقرعاً في النفس، يريبهم ويحيرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعاً من الاعتراف، ولذلك قالوا : إن له الحلاوة، وإن عليه لطلاوة. وكانوا مرة لجهلهم وحيرتهم يقولون :(أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً) (الفرقان : ٥). مع علمهم أن صاحبهم أمي وليس بحضرته من يملي أو يكتب شيئاً، ونحو ذلك من الأمور التي أوجبها العناد والجهل والعجز. وقد حكى الله عن بعض مردتهم - وهو الوليد بن المغيرة المخزومي - أنه لما طال فكره في القرآن وكثر ضجره منه، وضرب له الأخماس من رأيه في الأسداس، فلم يقدر على أكثر من قوله :(إن هذا إلا قول البشر) (المدثر : ٢٤) عناداً وجهلاً به، وذهاباً عن الحجة، وانقطاعاً دونها.