قال الخطابي : وقلت في إعجاز القرآن وجه آخر ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ في آحادهم وهو صنيعه بالقلوب، وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلاماً غير القرآن منظوماً ولا منثوراً إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في حال أخرى ما يخلص منه إليه.
قال الله تعالى :(ل وأنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله) (الحشر : ٢١).
وقال تعالى :(الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم) (الزمر : ٢٣).
قلت : ولهذا أسلم جبير بن مطعم لما سمع قراءة النبي – ﷺ – للطور حتى انتهى إلى قوله :(إن عذاب ربك لواقع) (الطور : ٧) قال : خشيت أن يدركني العذاب. وفي لفظ :(كاد قلبي يطير فأسلم). وفي أثر آخر أن عمر لما سمع سورة طه أسلم، وغير ذلك
وقد يصنف بعضهم كتاباً فيمن مات بسماع آية من القرآن.
وه وقول أهل التحقيق : إن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال، لا بكل واحد عن انفراد، فإنه جمع ذلك كله، فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع بل وغير ذلك مما لم يسبق.
فمنها : الروعة التي له في قلوب السامعين، وأسماعهم، ، سواء المقرين والجاحدين، ثم إن سامعه إن كان مؤمناً به يداخله روعة في أول سماعه وخشية، ثم لا يزال يجد في قلبه هشاشة إليه، ومحبة له. وإن كان جاحداً أوجد فيه مع تلك الروعة نفوراً وعياً، لانقطاع مادته بحسن سمعه.
ومنها : أنه لم يزل غضاً طرياً في أسماع السامعين، وعلي ألسنة القارئين.


الصفحة التالية
Icon