اعلم أن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم واشتقاقه من الحياة يقال حيي الرجل كما يقول نسي وخشي وشظي الفرس إذا اعتلت هذه الأعضاء جعل الحيي لما يعتريه الانكسار والتغير منكسر القوة منغص الحياة.
كما قالوا فلان هلك حياء من كذا.. ومات حياء ورأيت الهلاك في وجهه من شدة الحياء وذاب حياء وإذا ثبت هذا استحال الحياء على الله تعالى لأنه تغير يلحق البدن وذلك لا يعقل إلا في حق الجسد ولكنه وارد في الأحاديث روى سليمان عن رسول الله – ﷺ – أنه قال " إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً " وإذا كان كذلك وجب تأويله وفيه وجهان :-
الأول : وهو القانون في أمثال هذه الأشياء أن كل صفة للعبد مما يختص بالأجسام فإذا وصف الله تعالى بذلك فذلك محمول على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض مثاله أن الحياء حالة تحصل للإنسان لكن لها مبدأ أو منتهى.. أما المبدأ فهو التغير الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إلى القبيح وأما النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل فإذا ورد الحياء في حق الله تعالى فليس المراد من ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته بل ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته، وكذلك الغضب له.. علامة ومقدمة وهي غليان دم القلب، وشهوة الانتقام وله غايه وهو إنزال العقاب بالمغضوب عليه.. فإذا وصفنا الله تعالى بالغضب فليس المراد ذلك المبدأ أعني شهوة الانتقام وغليان دم القلب.. بل المراد تلك النهاية وهو إنزال العقاب فهذا هو القانون الكلي في هذا الباب.
الثاني : يجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكثير فقالوا أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت.. فجاء هذا الكلام على سبيل إطباق الجواب على السؤال وهذا فن بديع من الكلام(١).