الاستحياء من الله تعالى بمعنى الترك.. فإذا وصف نفسه بأنه يستحى من شيء فمعناه أنه لا يفعل ذلك وإذا قيل لا يستحي فمعناه لا يبالي بفعل ذلك.
والخلق في التحقيق - وبالإضافة إلى وجود الحق - أقل من ذرة من الهواء في الهواء لأن هذا استهلاك محدود في محدود فسيان - في قدرته - العرش والبعوضة.. فلا خلق العرش أشق وأعسر ولا خلق البعوضة أخف عليه وأيسر فإنه سبحانه متقدس عن لحوق العسر واليسر.
فإذا كان الأمر بذلك الوصف فلا يستحي أن يضرب بالبعوضة مثلاً كما لا يستحي أن يضرب بالعرش - فما دونه - مثلاً.
وقيل إن جهة ضرب المثل بالبعوضة أنها إذا جاعت فرت وطارت إذا شبعت تشققت فتلفت كذلك
" إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ".
وقيل ما فوقها يعني الذباب، وجهة الإشارة فيه إلى وقاحته.. حتى إنه ليعود عند البلاغ في الذب ولو كان ذلك في الأسد لم ينج منه أحد من الخلق، ولكنه لما خلق القوة في الأسد خلق فيه تنافراً من الناس، ولما خلق الوقاحة في الذباب خلق فيه الضعف تنبيهاً منه سبحانه على كمال حكمته ونفاذ قدرته(١).
لماذا التمثيل بالبعوضة ؟
المعاندون اتخذوا من صِغَر البعوضة والذبابة ذريعة للاستهزاء بالأمثلة القرآنية، لكنّهم لو أنصفوا وأمعنوا النظر في هذا الجسم الصغير، لرأوا فيه من عجائب الخلقة وعظيم الصنع والدّقة ما يحيّر العقول والألباب.
يقول الإِمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) بشأن خلقة هذا الحيوان الصغير :«إنّما ضَرَبَ اللهُ الْمَثَلَ بِالْبِعُوضَةِ ؛ لاَِنَّ الْبَعُوضَةَ عَلى صِغَر حَجْمِهَا خَلَقَ اللهُ فِيهَا جَمِيعَ مَا خَلَقَ فِي الْفَيلِ مَعَ كِبَرِهِ وَزِيَادَةَ عُضْوَيْنِ آخَرَيْنِ فَأَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُنَبِّهَ بِذَلِكَ الْمُؤْمِنينَ عَلى لُطْفِ (لَطِيفِ) خَلْقِهِ وَعَجيبِ صَنْعَتِهِ».