وقوله تعالى " واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه " [هود : ٩٠] وتقول زيد عالم كريم ثم هو شجاع.
قال ابن بري : قد تجيء ثم كثيراً لتفاوت ما بين رتبتين في قصد المتكلم فيه تفاوت ما بين مرتبتي الفعل مع السكوت عن تفاوت رتبتي الفاعل كقوله تعالى " الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " [الأنعام : ١] فـ " ثم " هنا لتفاوت رتبة الخلق والجعل من العدل، مع السكوت عن وصف العادلين،
ومثله قوله تعالى " فلا اقتحم العقبة " إلى قوله " ثم كان من الذين آمنوا " [البلد : ١١ : ١٧].
دخلت لبيان تفاوت رتبة الفك والإطعام من رتبة الإيمان إلا أن فيها زيادة تعرض لوصف المؤمنين بقوله " وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة " [البلد : ١٧].
وذكر غيره في قوله تعالى " ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " [الأنعام : ١] أن " ثم " دخلت لبعد ما بين الكفر وبين خلق السموات والأرض.
وعلى ذلك جرى الزمخشري في مواضع كثيرة من الكشاف.. كقوله تعالى " لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى " [طه : ٨٢].
وقوله " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا " [الأحقاف : ١٣]
قال : كلمة التراخي دلت على تباين المنزلتين، دلالتها على تباين الوقتين في جاءني زيد ثم عمر و– أعني أن منزلة الاستقامة على الخير مباينة لمنزلة الخير نفسه.. لأنها أعلى منها وأفضل،
ومنه قوله تعالى " إنه فكر وقدر * فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف قدر " [المدثر ١٨ : ٢٠].
إن قلت : ما معنى " ثم " الداخلة في تكرير الدعاء ؟ قلت : الدلالة على أن الكرة الثانية من الدعاء أبلغ من الأولى.
وقوله " ثم كان من الذين آمنوا " [البلد : ١٧]، قال : جاء بـ " ثم " لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفصيلة على العتق والصدقة لا في الوقت لأن الإيمان هو السابق المقدم على غيره.


الصفحة التالية
Icon