وقال الزمخشري في قوله تعالى " ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً " [النحل : ١٢٣] إن " ثم " هذه : فيها من تعظيم منزلة النبي - ﷺ - وإجلالً محله والإيذان بأنه أولى وأشرف ما أوتي خليل الله إبراهيم من الكرامة، وأجل ما أوتي من النعمة أتباع رسول الله - ﷺ - في ملته.
واعلم أنه بهذا التقدير يندفع الاعتراض بأن " ثم " قد تخرج عن الترتيب والمهلة وتصير كالوا ولأنه إنما يتم على أنها تقتضي الترتيب الزماني لزوماً.. أما إذا قلنا : إنها ترد لقصد التفاوت والتراخي عن الزمان لم يحتج إلى الانفصال عن شيء مما ذكر من هذه الآيات الشريفة لا أن تقول : إن " ثم " قد تكون بمعنى الواو، والحاصل أنها للتراخي في الزمان وهو المعبر عنه بالمهلة وتكون للتباين في الصفات وغيرها من غير قصد مهلة زمانية.. بل ليعلم موقع ما يعطف بها وحاله وأنه لو انفرد لكان كافياً فيما قصد فيه.. ولم يقصد في هذا ترتيب زماني بل تعظيم الحال فيما عطف عليه وتوقعه وتحريك النفوس لاعتباره.
وقيل تأتي للتعجب نحو " ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " [الأنعام : ١].
وقوله " ثم يطمع أن أزيد كلا " [المدثر : ١٥ : ١٦].
وقيل بمعنى وا والعطف كقوله " فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد " [يونس : ٤٦] أي وهو شهيد.
وقوله " ثم إن علينا بيانه " [القيامة : ١٩].
والصواب أنها على بابها لما سبق قبله.
وقوله " ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا " [الأعراف : ١١] وقد أمر الله الملائكة بالسجود قبل خلقنا.. فالمعنى وصورناكم.
وقيل على بابها والمعنى : ابتدأنا خلقكم لأن الله تعالى خلق آدم من تراب ثم صوره وابتدع خلق الإنسان من نطفة ثم صوره.


الصفحة التالية
Icon