وقال الإمام الرازي(١) : إن قيل قوله :" إني أعلم ما لا تعلمون " كيف يصلح أن يكون جواباً عن السؤال الذي ذكروه.
﴿ قلنا﴾ إن السؤال يحتمل وجوهاً : أحدها أنه للتعجب فيكون قوله " أعلم مالا تعلمون " جواباً له من حيث إنه قال تعالى لا تتعجبوا من أن يكون فيهم من يفسد ويقتل فإني أعلم مع هذا بأن فيهم جمعاً من الصالحين والمتقين وأنتم لا تعلمون.
وثانيها : أنه للغم فيكون الجواب : لا تغتموا بسبب وجود المفسدين فإني أعلم أيضاً أن فيهم جمعاً من المتقين ومن لو أقسم علي لأبره.
وثالثها : أنه طلب الحكمة فجوابه أن مصلحتكم فيه أن تعرفوا وجه الحكمة فيه على الإجمال دون التفصيل بل ربما كان التفصيل مفسدة لكم.
ورابعها : أنه التماس لأن يتركهم في الأرض وجوابه : إني أعلم أن مصلحتكم أن تكونوا في السماء لا في الأرض(٢).
وقال السعدي(٣) : قال الله للملائكة :" إني أعلم " من هذا الخليفة " ما لا تعلمون " لأن كلامكم بحسب ما ظننتم وأنا عالم بالظواهر والسرائر وأعلم أن الخير الحاصل بخلق هذا الخليفة أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك من الشر.. فل ولم يكن في ذلك.. إلا أن الله تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ولتظهر آياته للخلق ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا الخليفة.. كالجهاد وغيره وليظهر ما كن من غرائز المكلفين من الخير والشر بالامتحان وليبين عدوه من وليه وحزبه من حزبه وليظهر ما كان في نفس إبليس من الشر الذي انطوى عليه واتصف به فهذه حكم عظيمة يكفي بعضها في ذلك.
حكمة بالغة : إن العبد إذا خفيت عليه حكمة الله في بعض المخلوقات والمأمورات فالواجب عليه التسليم واتهام عقله والإقرار لله بالحكمة(٤).
(٢) لا يخفى ما في بعض هذه الوجوه من البعد والله أعلم.
(٣) تفسير السعدي صـ٤٢.
(٤) تفسير السعدي صـ٤٩.