وقال أبو السعود : في قوله تعالى " قال إني ما لا تعلمون "
والمعنى : إني أعلم مالا تعلمونه من دواعي الخلافة فيه وقيل : إني أعلم من المصالح في استخلافه ما هو خفي عليكم وأن هذا إرشاد الملائكة إلى العلم بأن أفعاله تعالى كلها حسنة وحكمه وإن خفي عليهم وجه الحسن والحكمة(١)
وقال القرطبي - رحمه الله - بعد أن ذكر بعض هذه الوجوه :
" قلت : ويحتمل أن يكون المعنى إني أعلم ما لا تعلمون مما كان ومما يكون وما هو كائن فهو عام(٢).
ومن لطائف الإمام القشيري - رحمه الله - في هذه الآية : ما نصه :-
ولم يكن قوله الملائكة " أتجعل فيها من يفسد فيها " على وجه الاعتراض على التقدير ولكن على وجه الاستفهام.. فإن حمل الخطاب على ما يوجب تنزيه الملائكة أولى لأنهم معصومون قال تعالى " لا يعصون الله ما أمرهم "
ويقال استخرج الحق سبحانه منهم ما استكن في قلوبهم من استعظام طاعاتهم والملاحظة أن أفعالهم بهذا الخطاب، فأفصحوا عن خفايا أسرارهم يقولون " ونحن نسبح بحمدك " ثم إن الحق سبحانه عرفهم أن الفضيلة بالعلم أتم من الفضيلة بالفعل فهم كانوا أكثر فعلاً وآدم كان أكثر علماً وأوفر فظهرت فضيلته ومرتبته.
ويقال لم يقل الحق سبحانه أنتم لا تفسدون فيها ولا تسفكون الدماء بل قال " إني أعلم ما لا تعلمون " من غفراني لهم.
ويقال : في تسبيحهم إظهار فعلهم واشتهار خصائصهم وفضلهم ومن غفرانه لمعاصي بني آدم إظهار كرمه سبحانه ورحمته والحق سبحانه غني عن طاعات كل مطيع فلأنه ظهر بتسبيحهم استحقاق تمدحهم ثبت بالغفران استحقاق تمدح الخالق سبحانه.
(٢) هذا وجه قوي بل أقوى الوجوه وهو يتطابق مع الأصول التي وضعها القرآن من إحصاء الله لكل شيء علماً.. فهذا أولى من التخصيص والله أعلم بمراد كتابه.