* ودخلت امرأة على هارون الرشيد وعنده جماعة من وجوه أصحابه.. فقالت : يا أمير المؤمنين أقر الله عينيك وفرحك بما آتاك وأتم سعدك لقد حكمت فقسطت.. فقال لها : من تكونين أيتها المراة ؟ فقالت : من آل يرمك ممن قتلت رجالهم وأخذت أموالهم وسلبت نوالهم فقال : أما الرجال فقد مضى فيهم أمر الله ونفذ فيهم قدره.. وأما المال فمردود إليك ثم التفت إلى الحاضرين من أصحابه فقال : أتدرون ما قالت هذه المرأة ؟ فقالوا : ما نراها قالت إلا خيراً. فقال : ما أظنكم فهمتم ذلك أما قولها : أقر الله عينك أي أسكنها عن الحركة وإذا سكنت العين عن الحركة عميت، وأما قولها وفرحك بما آتاك فأخذته من قوله تعالى " حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة " [الأنعام : ٤٤] وأما قولها وأتم الله سعدك فأخذته من قول الشاعر :-
إذا تم أمر بدا نقصه …… ترقب زوالا إذا قيل تم
وأما قولها لقد حكمت فقسطت فأخذته من قوله " وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا " [الجن : ١٥] فتعجبوا من ذلك(١).
* واستودع رجل لغيره مالاً فجحده فرفعه إلى إياس فسأله فأنكر فقال للمدعي أين دفعت إليه فقالت : في مكان البرية فقال : وما كان هناك ؟ قال شجرة قال اذهب إليها فلعلك دفنت المال عندها ونسيت فتذكر إذا رأيت الشجرة فمضى وقال للخصم اجلس حتى يرجع صاحبك، وإياس يقضي وينظر إليه ساعة بعد ساعة ثم قال : يا هذا أترى صاحبك قد بلغ مكان الشجرة قال لا.. قال يا عد والله إنك خائن.. قال أقلني.. قال لا أقالك الله وأمر أن يحتفظ به حتى جاء الرجل.. فقال له إياس : اذهب معه فخذ حقك(٢).
* ومن فراسة الحاكم : ما ذكره حماد بن سلمة عن حميد الطويل : أن إياس بن معاوية اختصم إليه رجلان استودع احدهما صاحبه وديعة فقال صاحب الوديعة : استحلفه بالله مالي عنده وديعة فقال إياس : بل استحلفه بالله مالك عنده وديعة ولا غيرها.

(١) المستطرف صـ٦٧.
(٢) الطرق الحكيمة في السياسة الشرعية صـ٢٩.


الصفحة التالية
Icon