" فصل " ولما أراد الحق سبحانه وتعالى أن ينجي آدم عصمه وعلمه وأظهر عليه آثار الرعاية حتى أخبر بما أخبر به، وحين أراد إمضاء حكمه فيه أدخل عليه النسيان حتى نسي في الحضرة عهده وجاوز حده فقال الله تعالى " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً " [طه : ١١٠] فالوقت الذي ساعدته العناية تقدم على الجملة بالعلم والإحسان والوقت الذي أمضى عليه الحكم رده إلى حال النسيان والعصيان كذا أحكام الحق سبحانه فيما تجري وتمضي ذل بحكمه العبيد وهو فعال لما يريد.
قوله تعالى " قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض "
قال الإمام الرازي – رحمه الله –
اعلم أن في هذه الآية خوفاً عظيماً وفرحاً عظيماً أما الخوف فلآنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أحوال الضمائر فيجب أن يجتهد المرء في تصفية باطنه وأن يكون بحيث يترك المعصية لاطلاع الخلائق عليها ولا يتركها عند اطلاع الخالق عليها والأخبار مؤكدة لذلك.
أحدها : روى عدي بن حاتم أنه عليه الصلاة والسلام قال :" يؤتى بناس يوم القيامة فيؤمر بهم إلى الجنة حتى إذا دنوا منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون عنها بحسرة ما رجع أحد بمثلها ويقولون ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا.. فنودوا ذاك أردت لكم كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وإذا لقيتم الناس لقيتموهم بالمحبة مخبتين تراؤن الناس بخلاف ما تضمرون عليه في قلوبكم هبتم الناس ولم تهابوني أجللتم الناس ولم تجلوني تركتم المعاصي للناس ولم تتركوها لأجلي كنت أهون الناظرين عليكم فاليوم أذيقكم أليم عذابي مع ما حرمتكم من النعيم.
ثانيها : قال سليمان بن علي لحميد الطويل : عظني قال : إن كنت إذا عصيت الله خالياً ظننت أنه يراك فلقد اجترأت على عظيم وإن كنت ظننت أنه لا يراك فلقد كفرت.


الصفحة التالية
Icon