الأول : أن تجعل ملاقاة الرب مجازاً عن الموت، وذلك لأن ملاقاة الرب مسبب عن الموت، فأطلق المسبب، والمراد منه السبب، وهذا مجاز مشهور فإنه يقال لمن مات : إنه لقي ربه.
الثاني : أن تفسر ملاقاة الرب بملاقاة ثواب الرب، وذلك مظنون لا معلوم فإن الزاهد العابد لا يقطع بكونه ملاقياً لثواب الله، بل يظن إلا أن ذلك الظن مما يحمله على كمال الخشوع.
الثالث : المعنى : الذين يظنون أنهم ملاق وربهم بذنوبهم، فإن الإنسان الخاشع قد يسئ ظنه بنفسه وبأعماله، فيغلب على ظنه أنه يلقى الله تعالى بذنوبه فعند ذلك يسارع إلى التوبة، وذلك من صفات المدح. أهـ.
قال أبو بكر الأنباري حدثنا أحمد بن يحيى النحوي أن العرب تجعل الظن علما وشكا وكذبا، وقال إذا قامت براهين العلم فكانت أكثر من براهين الشك، فالظن يقين، وإذا اعتدلت براهين اليقين وبراهين الشك، فالظن شك، وإذا زادت براهين الشك على براهين اليقين، فالظن كذب، قال الله تعالى " إنهم إلا يظنون " أراد : إلا يكذبون (١) أ هـ.
وقال ابن عرفة :(الذي يظهر) لي أن الظنّ على بابه مصروف لزمن (الملاقاة) أي هم يستحضرون الموت ويظنونه في كل زمن واقعا بهم. أهـ [تفسير ابن عرفة حـ ١ صـ١٤٥]
(( الذين يظنون أنهم ملاق وربهم ))
قال القشيري(٢) : الظن يذكر، ويقال : المراد به اليقين، وهو الأظهر ها هنا، ويذكر ويراد به الحسبان، فمن ظن ظن يقين فصاحب وصلة، ومن ظن ظن تخمين فصاحب فرقة. اهـ
وقال فى البحر المديد : وإنما عبَّر الحق تعالى هنا بالظن في موضع اليقين إبقاء على المذنبين، وتوفراً على العاصين، الذين ليس لهم صفاء اليقين ؛ إذ لو ذكر اليقين صرفاً لخرجوا من الجملة، فسبحانه من رب حليم، وجواد كريم. اللهم امنن علينا بصفاء المعرفة واليقين، حتى لا يختلج قلوبنا وَهْمٌ ولا ريب، يا رب العالمين. أهـ تفسير ابن عجيبة حـ١ صـ٧٥].

(١) - تفسير القرطبي حـ٢ صـ٨ بتصرف يسير
(٢) - لطائف الإرشادات حـ١ صـ٨٨


الصفحة التالية
Icon