الآيات كالنسبة بين الآيات النافية لعلم الغيب عن غيره، وإثباته له تعالى بالاختصاص ولغيره بارتضائه، قال تعالى :[قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ](النمل : ٦٥)، وقال تعالى :[وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو] (الأنعام : ٥٩)، وقال تعالى :[عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول](الجن : ٢٧)، وكذلك الآيات الناطقة في التوفي والخلق والرزق والتأثير والحكم والملك وغير ذلك فإنها شائعة في أسلوب القرآن، حيث ينفي كل كمال عن غيره تعالى، ثم يثبته لنفسه، ثم يثبته لغيره بإذنه ومشيئته، فتفيد أن الموجودات غيره تعالى لا تملك ما تملك من هذه الكمالات بنفسها واستقلالها، وإنما تملكها بتمليك الله لها إياها، حتى إن القرآن يثبت نوعاً من المشيئة في ما حكم فيه وقضي عليه بقضاء حتم، كقوله تعالى :[فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك، إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ](هود ١٠٨)، فقد علق الخلود بالمشيئة وخاصة في خلود الجنة مع حكمه بأن العطاء غير مجذوذ، إشعاراً بأن قضائه تعالى بالخلود لا يخرج الأمر من يده ولا يبطل سلطانه وملكه عز سلطانه كما يدل عليه قوله :[إن ربك فعال لما يريد](هود : ٧٠ )، وبالجملة لا إعطاء هناك يخرج الأمر من يده ويوجب له الفقر، ولا مانع يضطره إلى حفظ ما منعه وإبطال سلطانه تعالى. ومن هنا يظهر أن الآيات النافية للشفاعة، إن كانت ناظرة إلى يوم القيامة فإنها تنفيها عن غيره تعالى بمعنى الاستقلال في الملك، والآيات المثبتة تثبتها لله سبحانه بنحو الأصالة، ولغيره تعالى بإذنه وتمليكه، فالشفاعة ثابتة لغيره تعالى بإذنه فلننظر ماذا يفيده كلامه في معنى الشفاعة ومتعلقها ؟ وفيمن تجري ؟ وممن تصح ؟ ومتى تتحقق ؟ وما نسبتها إلى العف ووالمغفرة منه


الصفحة التالية
Icon