وقوله :[ولا يشفعون إلا لمن ارتضى] (الأنبياء : ٢٨)، وقوله :[ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون](الزخرف : ٨٦) فإن الآيات كما ترى تثبت الشفاعة بمعنى الشافعية لعدة من عباده من الملائكة والناس من بعد الإذن والارتضاء، فهو تمليك ولله الملك وله الأمر فلهم أن يتمسكوا برحمته وعفوه ومغفرته وما أشبه ذلك من صفاته العليا لتشمل عبداً من عباده ساءت حاله بالمعصية، وشملته بلية العقوبة، فيخرج عن كونه مصداقاً للحكم الشامل، والجرم العامل على ما عرفت أن تأثير الشفاعة بنحو الحكومة دون التضاد وهو القائل عز من قائل :[فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات](الفرقان : ٧٠) فله تعالى أن يبدل عملاً من عمل كما أن له أن يجعل الموجود من العمل معدوماً، قال تعالى[وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً] (الفرقان : ٢٣)، وقال تعالى :[فأحبط أعمالهم](محمد : ١٠)، وقال تعالى :[إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم] (النساء : ٣١)، وقال تعالى :[إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشأ](النساء : ٤٨)، والآية في غير مورد الإيمان والتوبة قطعاً فإن الإيمان والتوبة يغفر بهما الشرك أيضاً كسائر الذنوب وله تكثير القليل من العمل، قال تعالى :[أولئك يؤتون أجرهم مرتين](القصص : ٦٥)، وقال :[من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها](الأنعام : ١٦٠)، وله سبحانه أن يجعل المعدوم من العمل موجوداً، قال تعالى :[والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين](الطور : ٢١)، وهذا هو اللحوق والإلحاق وبالجملة فله تعالى أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
نعم إنما يفعل لمصلحة مقتضية، وعلة متوسطة ولتكن من جملتها شفاعة الشافعين من أنبيائه وأوليائه والمقربين من عباده من غير جزاف ولا ظلم.