الجواب أن يقال : إذا أورد الحكيم تقدست أسماؤه آية على لفظة مخصوصة، ثم أعادها في موضع آخر من القرآن، وقد غير فيها لفظة كما كانت عليه في الأولى فلا بد من حكمة هناك تطلب، فإذا أدركتموها فقد ظفرتم، وإن لم تدركوها ؟ فليس لأنه لا حكمة هناك بل جهلتم. فأما الآية الأولى في هذه السورة، فإن فيها مسائل ليست هذا المكان مكانها، لأنه يقال : كيف قال الله تعالى :[إن الذين آمنوا][من آمن بالله واليوم الآخر] أي : من آمن منهم بالله واليوم الآخر، إلا أن الذي نذكره في هذا المكان هو أن المعنى : إن الذين أمنوا بكتب الله المتقدمة مثل صحف إبراهيم، والذين آمنوا بما نطقت به التوراة وهم اليهود، والذين آمنوا بما أتى به الإنجيل وهم النصارى، فهذا ترتيب على حسب ما ترتب تنزيل الله كتبه، فصحف إبراهيم – عليه السلام – قبل التوراة المنزلة على موسى – عليه السلام – والتوراة قبل الإنجيل المنزل على عيسى – عليه السلام – فرتبهم – عز وجل – في هذه الآية على ما رتبهم عليه في بعثة الرسالة، ثم أتى بذكر "الصابئين" وهم الذين لا يثبتون على دين، وينتقلون من ملة إلى ملة، ولا كتاب لهم، كما للطائفتين اللتين ذكرهما الله تعالى في قوله :[أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا] (الأنعام : ١٥٦)، فوجب أن يكونوا متأخرين عن أهل الكتاب، وأما بعد هذا الترتيب فترتيبهم في سورة المائدة وتقديم الصابئين على النصارى ورفعه هنا ونصبه هناك ترتيب ثان، فالأول على ترتيب الكتب، والثاني على ترتيب الأزمنة، لأن الصابئين وإن كانوا متأخرين عن النصارى بأنهم لا كتاب لهم، فإنهم متقدمون عليهم بكونهم قبلهم، لأنهم كانوا قبل عيسى – عليه السلام – فرفع [الصابئون] ونوى به التأخير عن مكانه كأنه قال بعد ما أتى بخبر [إن الذين آمنوا والذين هادوا] [من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون] والصابئون هذا حالهم أيضاً، وهذا مذهب سيبويه، لأنه لا


الصفحة التالية
Icon