قال الفخر(١) : قوله :[فلم تقتلون] وإن كان خطاب مشافهة، لكن المراد من تقدم من سلفهم ويدل عليه وجوه :
أحدها : أن الأنبياء في ذلك الزمان ما كانوا موجودين، وثانيها : أنهم ما أقدموا على ذلك. وثالثها أنه لا يتأتي فيه [من قبل] فأما المراد به الماضي، فظاهر، لأن القرينة دالة عليه،
فإن قيل : قوله [آمنوا] خطاب لهؤلاء الموجودين، [فلم تقتلون] حكاية فعل أسلافهم، فكيف وجه الجمع بينهما ؟
قلنا : معناه : إنكم بهذا التكذيب خرجتم من الإيمان بما آمنتم، كما خرج أسلافكم بقتل الأنبياء - عن الإيمان بالباقين. أهـ.
سؤال : كيف جاز قوله :[فلم تقتلون أنبياء الله من قبل] ولا يجوز أن يقال : أنا أضربك أمس ؟
والجواب : فيه قولان : أحدهما : أن ذلك جائز فيما كان بمنزلة الصفة اللازمة كقولك لمن تعرفه بما سلف من قبح فعله : ويحك لم تكذب ؟ كأنك قلت : لم يكن هذا من شأنك، قال تعالى :[واتبعوا ما تتلوا الشياطين] (البقرة : ١٠٢)
ولم يقل : تلت، لأنه أراد - من شأنها التلاوة.
والثاني : كأنه قال : لم ترضون بقتل الأنبياء من قبل إن كنتم آمنتم بالتوراة، والله أعلم(٢). أهـ.
وقال القرطبي(٣) : وجاء [تقتلون] بلفظ الاستقبال وهو بمعنى المضي لما ارتفع الإشكال بقوله [من قبل]، وإذا لم يشكل فجائز أن يأتي الماضي بلفظ المستقبل، والمستقبل بمعنى الماضي، قال الحطيئة :
……
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه ……أن الوليد أحق بالعذر
شهد بمعنى : يشهد. أهـ.
وقال في الميزان(٤) : قوله تعالى :[فلم تقتلون أنبياء الله من قبل] الفاء للتفريع، والسؤال متفرع على قولهم : نؤمن بما أنزل علينا، أي : لو كان قولكم : نؤمن بما أنزل علينا حقاً وصدقاً، فلم تقتلون أنبياء الله، ولم كفرتم بموسى باتخاذ العجل، ولم قلتم عند أخذ الميثاق ورفع الطور : سمعنا وعصينا. أهـ.

(١) - التفسير الكبير حـ٣ صـ٦٠٣
(٢) - التفسير الكبير حـ٣ صـ٦٠٣ : ٦٠٤
(٣) - تفسير القرطبي حـ٢ صـ٢٤
(٤) - الميزان حـ١ صـ٢٢٢


الصفحة التالية
Icon