قوله تعالى " أو ننسها " قرأ بضم النون وكسر السين من الإنساء بمعنى الذهاب عن العلم والذكر وقد مر توضيحه، وهو كلام مطلق أو عام غير مختص برسول الله - ﷺ - بل غير شامل له أصلاً لقوله تعالى " سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله " [الأعلى : ٧] وهي آية مكية، وآية النسخ مدنية، فلا يجوز عليه النسيان بعد قوله تعالى " فلا تنسى " وأما اشتماله على الاستثناء بقوله " إلا ما شاء الله " فهو على حد الاستثناء الواقع في قوله تعالى " خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ " [هود : ١٠٩] جيء بها لإثبات بقاء القدرة مع الفعل على تغيير الأمر ولو كان الاستثناء مسوقاً لبيان الوقوع في الخارج لم يكن للامتنان بقوله " فلا تنسى " معنى، إذ كل ذي ذكر وحفظ من الإنسان وسائر الحيوان كذلك يذكر وينسى، وذكره ونسيانه كلاهما منه تعالى وبمشيئته، وقد كان رسول الله - ﷺ - كذلك قبل هذا الإقراء الامتناني الموعود بقوله " سنقرئك " يذكر بمشيئة الله تعالى، فليس معنى الاستثناء إلا إثبات إطلاق القدرة، أي سنقرئك فلا تنسى أبداً، والله مع ذلك قادر على إنسائك هذا (١). أ هـ.
وقال ابن عطية (٢) ما نصه :
" وكذلك ضعف الزجاج أن تحمل الآية على النسيان الذي هو ضد الذكر، وقال : إن هذا لم يكن للنبي - ﷺ - ولا نسى قرآناً، واحتج الزجاج بقوله تعالى " ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك " [الإسراء : ٨٦] أي لم نفعل. أ هـ.

(١) الميزان حـ١ ص٢٥٣ : ص٢٥٤
(٢) المحرر الوجيز حـ١ ص١٩٤


الصفحة التالية
Icon