قال الراغب في تفسيره : نبه على أقوى حجة على نفي ذلك، وبيانها : هو أن لكل موجود في العالم، مخلوقاً طبيعياً، أو معمولاً صناعياً، غرضاً وكمالاً أوجد لأجله، وإن كان قد يصلح لغيره على سبيل الغرض، كاليد للبطش، والرجل للمشي، والسكين لقطع مخصوص، والمنشار للنشر، وإن كانت اليد قد تصلح للمشي في حال، والرجل للتناول، لكن ليس على التمام. والغرض في الولد للإنسان إنما هو لأن يبقى به نوعه، وجزء منه لما لم يجعل الله له سبيلاً إلى بقائه بشخصه، فجعل له بذراً لحفظ نوعه، ويقوى ذلك، أنه لم يجعل للشمس والقمر وسائر الأجرام السماوية بذراً واستخلافاً، ولم يجعل لها فناء النبات والحيوان، ولما كان الله تعالى هو الباقي الدائم، بلا ابتداء ولا انتهاء، لم يكن لاتخاذه الولد لنفسه معنى. ولهذا قال :" سبحانه أن يكون له ولد " [النساء : ١٧١] أي : هو منزه عن السبب المقتضي للولد. ثم لما كان اقتناء الولد لفقر ما، وذلك لما تقدم، أن الإنسان افتقر إلى نسل يخلفه لكونه غير كامل إلى نفسه – بين تعالى بقوله :" له ما في السموات والأرض " أنه لا يتوهم له فقر، فيحتاج إلى اتخاذ ما هو سد لفقره، فصار في قوله :" له ما في السموات والأرض " دلالة ثانية، ثم زاد حجة بقوله (قانتون) وهو أنه لما كان الولد يعتقد فيه خدمة الأب ومظاهرته كما قال " وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة " [النحل : ٧٢] بين أن كل ما في السموات والأرض، مع كونه ملكاً له، قانت أيضاً، إما طائعاً، وإما كارهاً، وإما مسخراً، كقوله ولله " يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً " [الرعد : ١٥]، وقوله " وإن من شيء إلا يسبح بحمده " [الإسراء : ٤٤] وهذا أبلغ حجة لمن هو على المحجة (١). أ هـ.
قوله تعالى " بل له ما في السماوات والأرض "

(١) محاسن التأويل حـ٢ ص٤٢٤، ٤٢٣


الصفحة التالية
Icon