وقال القرطبي (١) : وتلخيص المعتقد في هذه الآية أن الله عز وجل لم يزل آمرا للمعدومات بشرط وجودها قادراً مع تأخر المقدورات، عالماً مع تأخر المعلومات، فكل ما في الآية يقتضي (الاستقبال)، فهو بحسب المأمورات، إذ المحدثات تجئ، بعد أن لم تكن، وكل ما يسند إلى الله تعالى من قدرة وعلم، فهو قديم لم يزل، والمعنى الذي تقتضيه عبارة [كن] هو قديم قائم بالذات.
وقال ابن جزي (٢) : قال الأصوليون : هذه عبارة عن تعود قدرة الله وليس بقول حقيقي لأنه إذا كان قول [كن] خطاباً للشيء في حال عدمه لم يصح، لأن المعدوم لم يخاطب وإن كان خطاباً في حال وجوده، لأنه قد كان، وتحصيل الحاصل غير مطلوب، وحمله المفسرون على حقيقته، وأجابوا عن ذلك بأربعة أجوبة.
أحدها : أن الشيء الذي يقول له [كن فيكون ]ه وموجود في علم الله، وإنما يقول له [كن] ليخرجه إلى العيان لنا.
والثاني : أن قوله [كن] لا يتقدم على وجود الشيء ولا يتأخر عنه قاله الطبري.
والثالث : أن ذلك خطاباً لمن كان موجوداً على حاله فيأمره بأن يكون على حالة أخرى، كإحياء الموتى، ومسخ الكفار، وهذا ضعيف، لأنه تخصيص من غير مخصص.
والرابع : أن معنى يقول له : يقول من أجله، فلا يلزم خطابه، والأول أحسن هذه الأجوبة. أ هـ.
وأجاب الفخر : عن هذا السؤال من وجوه أذكر أولها فقط تجنباً للتكرار. قال الفخر الأول وهو الأقوى : أن المراد من هذه الكلمة سرعة نفاذ قدرة الله في تكوين الأشياء، وأنه تعالى يخلق الأشياء لا بفكرة ومعاناة وتجربة.(٣)أهـ.
قال القرطبي – رحمه الله :
قال علماؤنا : والأمر في القرآن يتصرف على أربعة عشر وجهاً.
الأول : الدين، قال الله تعالى :" حتى جاء الحق وظهر أمر الله " [التوبة : ٤٨] يعني دين الله الإسلام.

(١) - تفسير القرطبي حـ٢ صـ٦٣
(٢) - التسهيل حـ١ صـ٥٨
(٣) - التفسير الكبير حـ٤ صـ٢٦


الصفحة التالية
Icon