الثالث : أنه عطف على " خَلْقَكُمْ "، فهو داخل في حيز الصلة والواو ولا يُبَالَى بها، إذ لا تقتضي ترتيباً ؛ إلا أن الزَّمَخشريَّ رحمه الله تعالى خَصَّ هذا الوجه بكون الخطاب [ للمؤمنين ] في ﴿ يا أيها الناس ﴾ لمعاصري الرسول عليه السلام فإنه قال : والثاني أنه يُعْطَفُ على " خلقكم " ويكون الخطاب للذين بُعِثَ إليهم الرسول، والمعنى : خلقكم من نفس آدم ؛ لأنه من جملة الجنس المفرّع [ منه ] وخلق منها أُمَّكم حواء.
فظاهر هذا خصوصيَّةُ الوجه الثاني أن يكون الخطاب للمعاصرين، وفيه نظر، وَقَدَّرَ بعضهم مضافاً في " منها " أي :" مِنْ جِنْسِها زوجَها "، وهو قول أبي مسلم، قال : وهو كقوله :﴿ والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ [ النحل : ٧٢ ] وقال ﴿ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ [ آل عمران : ١٦٤ ] وقوله :﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ ﴾ [ التوبة : ٢٨ ].
قال : وحواء لم تخلق من آدم، وإنما خلقت من طينة فَضَلَتْ من طينة آدم.
قال الْقَاضِي : والأول أقوى لقوله :﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾.
قال ابن الخَطِيبُ :" يمكن أن يجاب بأن كلمة " مِن " لابتداء الغاية، فَلمَّا كان ابتداء الغاية وهو ابتداء التخليق والإيجاد وقع بآدم صحّ أن يُقَالَ :﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ وأيضاً فالقادر على خلق آدم من التراب، [ كان قادراً أيضاً على خلق حواء من التراب ]، وَإذا كان كذلك فأيّ فائدة في خلقها من ضلع من أضلاعه ".
وقرئ " وخالِقُ وباثٌّ " بلفظ اسم الفاعل، وخَرَّجَهُ الزمخشريُّ على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي : وهو خالِقٌ وباثٌّ.
وَيُقَالُ : بَثَّ وأبَثَّ ومعناه " فَرَّقَ " ثلاثياً ورباعياً.


الصفحة التالية
Icon