وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِبْلَاغِ بِشَارَتِهِ خَلْقَهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ، وَصَدَّقُوا إِيمَانَهُمْ ذَلِكَ وَإِقْرَارَهُمْ بِأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ بَشِّرْ مَنْ صَدَّقَكَ أَنَّكَ رَسُولِي وَأَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالنُّورِ فَمِنْ عِنْدِي، وَحَقِّقَ تَصْدِيقَهُ ذَلِكَ قَوْلًا بِأَدَاءِ الصَّالِحِ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي افْتَرَضْتُهَا عَلَيْهِ وَأَوْجَبْتُهَا فِي كِتَابِي عَلَى لِسَانِكَ عَلَيْهِ، أَنَّ لَهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَاصَّةً، دُونَ مَنْ كَذَّبَ بِكَ وَأَنْكَرَ مَا جِئْتَ بِهِ مِنَ الْهُدَى مِنْ عِنْدِي وَعَانَدَكَ، وَدُونَ مَنْ أَظْهَرَ تَصْدِيقَكَ وَأَقَرَّ بِأَنَّ مَا جِئْتَهُ بِهِ فَمِنْ عِنْدِي قَوْلًا، وَجَحَدَهُ اعْتِقَادًا وَلَمْ يُحَقِّقْهُ عَمَلًا. فَإِنَّ لِأُولَئِكَ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ مُعَدَّةٌ عِنْدِي. وَالْجَنَّاتُ جَمْعُ جَنَّةٍ، وَالْجَنَّةُ: الْبُسْتَانُ. وَإِنَّمَا عَنَى جَلَّ ذِكْرُهُ بِذِكْرِ الْجَنَّةِ مَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ أَشْجَارِهَا وَثِمَارِهَا وَغُرُوسِهَا دُونَ أَرْضِهَا، فَلِذَلِكَ قَالَ عَزَّ ذِكْرُهُ: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥] لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْخَبَرَ عَنْ مَاءِ أَنْهَارِهَا أَنَّهُ جَارٍ تَحْتَ أَشْجَارِهَا وَغُرُوسِهَا وَثِمَارِهَا، لَا أَنَّهُ جَارٍ تَحْتَ أَرْضِهَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ إِذَا كَانَ جَارِيًا تَحْتَ الْأَرْضِ، فَلَا حَظَّ فِيهَا لِعُيُونٍ مِنْ فَوْقِهَا إِلَّا بِكَشْفِ السَّاتِرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ. عَلَى أَنَّ الَّذِيَ تُوصَفُ بِهِ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ أَنَّهَا جَارِيَةٌ فِي غَيْرِ أَخَادِيدَ
كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: «نَخْلُ الْجَنَّةِ نَضِيدٌ مِنْ أَصْلِهَا إِلَى فَرْعِهَا، وَثَمَرُهَا أَمْثَالُ الْقِلَالِ، كُلَّمَا نُزِعَتْ ثَمَرَةٌ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَاؤُهَا يَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ» -[٤٠٧]- وَحَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بِنَحْوِهِ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ: مَنْ حَدَّثَكَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: مَسْرُوقٌ فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي أَنَّ أَنْهَارَهَا جَارِيَةٌ فِي غَيْرِ أَخَادِيدَ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِيَ أُرِيدَ بِالْجَنَّاتِ أَشْجَارُ الْجَنَّاتِ وَغُرُوسُهَا وَثَمَارُهَا دُونَ أَرْضِهَا، إِذْ كَانَتْ أَنْهَارُهَا تَجْرِي فَوْقَ أَرْضِهَا وَتَحْتَ غُرُوسِهَا وَأَشْجَارِهَا، عَلَى مَا ذَكَرَهُ مَسْرُوقٌ. وَذَلِكَ أَوْلَى بِصِفَةِ الْجَنَّةِ مِنْ أَنْ تَكُونَ أَنْهَارُهَا جَارِيَةً تَحْتَ أَرْضِهَا. وَإِنَّمَا رَغَّبَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عِبَادَهُ فِي الْإِيمَانِ وَحَضَّهُمْ عَلَى عِبَادَتِهِ، بِمَا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ أَعَدَّهُ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ عِنْدَهُ، كَمَا حَذَّرَهُمْ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا بِمَا أَخْبَرَ مِنْ إِعْدَادِهِ مَا أَعَدَّ لِأَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ الْجَاعِلِينَ مَعَهُ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ مِنْ عِقَابِهِ عَنْ إِشْرَاكِ غَيْرِهِ مَعَهُ، وَالتَّعَرُّضِ لِعُقُوبَتِهِ بِرُكُوبِ مَعْصِيَتِهِ وَتَرْكِ طَاعَتِهِ


الصفحة التالية
Icon