وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: " ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] فَكَانَ الَّذِي أَبَدَوْا حِينَ قَالُوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] وَكَانَ الَّذِي كَتَمُوا بَيْنَهُمْ قَوْلَهُمْ: لَنْ يَخْلُقَ رَبُّنَا خَلْقًا إِلَّا كُنَّا نَحْنُ أَعْلَمَ مِنْهُ وَأَكْرَمَ. فَعَرَفُوا أَنَّ اللَّهَ فَضَّلَ عَلَيْهِمْ آدَمَ فِي الْعِلْمِ وَالْكَرَمِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] وَأَعْلَمُ مَعَ عِلْمِي غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَا تُظْهِرُونَ بِأَلْسِنَتِكُمْ ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] وَمَا كُنْتُمْ تُخْفُونَهُ فِي أَنْفُسِكُمْ، فَلَا يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ سَوَاءٌ عِنْدِي سَرَائِرُكُمْ وَعَلَانِيَتِكُمْ. وَالَّذِي أَظْهَرُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوهُ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وَالَّذِي كَانُوا يَكْتُمُونَهُ مَا كَانَ مُنْطَوِيًا عَلَيْهِ إِبْلِيسُ مِنَ الْخِلَافِ عَلَى اللَّهِ فِي أَمْرِهِ وَالتَّكَبُّرِ عَنْ طَاعَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَنْ تَأْوِيلَ ذَلِكَ غَيْرُ خَارِجٍ مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفْتُ، وَهُوَ مَا قُلْنَا. وَالْآخَرُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةِ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ كِتْمَانُ الْمَلَائِكَةِ بَيْنَهُمْ لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ خَلْقًا إِلَّا كُنَّا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْهُ؛ فَإِذْ كَانَ لَا قَوْلَ فِي -[٥٣٤]- تَأْوِيلِ ذَلِكَ إِلَّا أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفْتَ ثُمَّ كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ عَلَى صِحَّتِهِ الدَّلَالَةُ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ صَحَّ الْوَجْهُ الْآخَرُ. فَالَّذِي حُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ الدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّتِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَلَا مِنْ خَبَرٍ يَجِبُ بِهِ حُجَّةٌ. وَالَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ خَبَرُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ إِبْلِيسِ وَعِصْيَانِهِ إِيَّاهُ إِذْ دَعَاهُ إِلَى السُّجُودِ لِآدَمَ، فَأَبَى وَاسْتَكْبَرَ، وَإِظْهَارِهِ لِسَائِرِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ مَعْصِيَتِهِ وَكِبْرِهِ مَا كَانَ لَهُ كَاتِمًا قَبْلَ ذَلِكَ. فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْخَبَرَ عَنْ كِتْمَانِ الْمَلَائِكَةِ مَا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ لَمَّا كَانَ خَارِجًا مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَنِ الْجَمِيعِ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مَا رُوِيَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ عَنْ كِتْمَانِ إِبْلِيسَ الْكِبْرَ وَالْمَعْصِيَةَ صَحِيحًا، فَقَدْ ظَنَّ غَيْرَ الصَّوَابِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ إِذَا أَخْبَرَتْ خَبَرًا عَنْ بَعْضِ جَمَاعَةٍ بِغَيْرٍ تَسْمِيَةِ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ أَنْ تُخْرِجَ الْخَبَرَ عَنْهُ مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَنْ جَمِيعِهِمْ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: قُتِلَ الْجَيْشُ وَهُزِمُوا، وَإِنَّمَا قُتِلَ الْوَاحِدُ أَوِ الْبَعْضُ مِنْهُمْ، وَهُزِمَ الْوَاحِدُ أَوِ الْبَعْضُ، فَتُخْرِجُ الْخَبَرَ عَنِ الْمَهْزُومِ مِنْهُ وَالْمَقْتُولِ مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَنْ جَمِيعِهِمْ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] ذُكِرَ أَنَّ الَّذِيَ نَادَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِ، كَانَ رَجُلًا مِنْ جَمَاعَةِ بَنِي تَمِيمٍ، كَانُوا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأُخْرِجَ الْخَبَرُ عَنْهُ مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَنِ الْجَمَاعَةِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] أَخْرَجَ الْخَبَرَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَنِ الْجَمِيعِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ


الصفحة التالية
Icon