أَنْ قَالُوا: كُلُّ إِيعَادٍ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِلِالْتِقَاءِ أَوِ الِاجْتِمَاعِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوَاعِدٌ صَاحِبَهُ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ زَعَمُوا أَنَّهُ وَجَبَ أَنْ يَقْضِيَ لِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: ﴿وَاعَدْنَا﴾ [البقرة: ٥١] بِالِاخْتِيَارِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ (وَاعَدَنَا). وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: (وَعَدْنَا) بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ الْوَاعِدُ مُوسَى، وَالْمُنْفَرِدُ بِالْوَعْدِ دُونَهُ. وَكَانَ مِنْ حُجَّتِهِمْ فِي اخْتِيَارِهِمْ ذَلِكَ، أَنْ قَالُوا: إِنَّمَا تَكُونُ الْمُوَاعَدَةُ بَيْنَ الْبَشَرِ، فَأَمَّا اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَإِنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فِي كُلِّ خَيْرٍ وَشَرٍّ. قَالُوا: وَبِذَلِكَ جَاءَ التَّنْزِيلِ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وَقَالَ: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] قَالُوا: فَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْوَعْدِ فِي قَوْلِهِ: (وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى). وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ، أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ قَدْ جَاءَتْ بِهِمَا الْأُمَّةُ وَقَرَأَتْ بِهِمَا الْقُرَّاءُ، وَلَيْسَ فِي الْقِرَاءَةِ بِإِحْدَاهُمَا إِبْطَالُ مَعْنَى الْأُخْرَى، وَإِنْ كَانَ فِي إِحْدَاهُمَا زِيَادَةُ مَعْنَى عَلَى الْأُخْرَى مِنْ جِهَةِ الظَّاهِرِ وَالتِّلَاوَةِ. فَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ بِهِمَا فَهُمَا مُتَّفِقَتَانِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ شَخْصٍ أَنَّهُ وَعَدَ غَيْرَهُ اللِّقَاءَ بِمَوْضِعٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَوْعُودَ ذَلِكَ وَاعَدَ صَاحِبَهُ مِنْ لِقَائِهِ بِذَلِكَ الْمَكَانِ، مِثْلُ الَّذِي وَعَدَهُ مِنْ ذَلِكَ صَاحِبُهُ إِذَا كَانَ وَعَدَهُ مَا وَعَدَهُ إِيَّاهُ مِنْ ذَلِكَ عَنِ اتِّفَاقٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمْ يَعِدْهُ رَبُّهُ الطُّورَ إِلَّا عَنْ رِضَا مُوسَى بِذَلِكَ، إِذْ